الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
77
نفحات الولاية
النظر عما سبق فانّ هذه الحياة القصيرة مليئة بأنواع المعاناة والألم والمشاق ، ويكفي في ذلك أن نلقي نظرة عابرة على مستشفى لنرى مختلف الأمراض التي يعاني منها الأطفال والشباب والكهول ، أو نتطلع أحد السجون ونشاهد عن كثب الأفراد الذين زجت بهم المظالم والشهوات والأخطاء والنزوات في ذلك المكان ، ولكن مع ذلك أغلب الناس يتناسون كل هذه المسائل ليحصلوا على استقرار كاذب مزّيف ، والاستقرار الذي يشبه ذلك الذي يشعر به الحيوان الذي يخفي جسده في الرمال مخافة الصيّاد ، والحال يراه الصياد ويسارع إلى افتراسه . ومن هنا فانّ الإمام عليه السلام يورد وصاياه في أغلب مواضع نهج البلاغة بهدف التنبيه إلى تلك الغفلة والنسيان المميت وايقاظ الضمير البشري الذي يغط في سبات عميق ، وقد اتبع الإمام مختلف الأساليب من أجل تحقيق هذا الغرض فتارة يذكر الدنيا على أنّها دار عناء وفناء وغير وعبر وأخرى يذكر إنزوائها على أنواع الشدائد والمشاكل ، كما يتطرق إلى قصر المسافة بين الحياة والموت ، إلى جانب ذلك يلفت الانتباه إلى هذه الحقيقة في عدم إمكانية عودة ما يتصرم من ساعات العمر ، في حين يمكن تدارك كافة سائر النعم المادية ، والحق لو تأمل كل إنسان مرّة واحدة في الأسبوع هذه الخطبة لما عانى من الغفلة قط . 3 - كيف نبحث عن سعادة الآخرة في الدنيا ؟ ربّما يطلب الإنسان الدنيا من أجل إشباع أهوائه ورغباته إلى جانب الامتياز على الآخرين واستغلالهم واستعمارهم ، كما قد يطلبها بهدف الحصول على الرفاه المتوازن ، وأحياناً ينشدها بغية وفرة الإمكانات لخدمة الآخرين ، أخيراً قد يريدها لترسيخ دعائم اقتصاد المجتمع الإسلامي وتحقيق مجده وعظمته ورفعته وإبعاده عن كافة أشكال التبعية للآخرين ، ومن البديهي أنّ هذه الأهداف تتفاوت فيما بينها تفاوتاً تاماً . فعلى ضوء الهدف الأول يتصف بأبشع الصفات الرذيلة ، والثاني يتّجه نحو الأهداف