الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
50
نفحات الولاية
لعدّة أيّام متتاليات ، أو لا يغتمون إن حرموا لسنوات من فيوضات التهجد وقيام الليل ، بينما يضجرهم خسران بضعة دارهم ، فلا يتمالكون أنفسهم عن الزعيق بمن حولهم ، ولعل هذا التفاوت الواضح والمخجل يستند إلى أحد أمرين : إمّا ضعف إيمانهم بالآخرة والوعد والوعيد الإلهي ، أو أنّهم مؤمنون بالآخرة والوعد والوعيد غير أنّ الهوى قد أحاط بقلوبهم واستولى على أنفسهم وسيطرت عليهم الغفلة بحيث لم يعودوا يروا سوى الدنيا وحطامها ومتاعها الزائل . ثم واصل عليه السلام كلامه بالحديث عن نقطة ضعف أخرى يمتاز بها طلّاب الدنيا والتي تتمثل بعدم قدرة أي أحد منهم على التعرض لعيوب أخيه ( بهدف الإصلاح والنهي عن المنكر ) ما ذلك إلّاخشية أنّ يجابهه بنفس ذلك العيب : « وَمَا يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ أَنْ يَسْتَقْبِلَ أَخَاهُ بِمَا يَخَافُ مِنْ عَيْبِهِ ، إِلَّا مَخَافَةُ أَنْ يَسْتَقْبِلَهُ بِمِثْلِهِ » . فالعبارة تشير إلى حرمانهم من إصلاح بعضهم البعض الآخر رغم إتصافهم بكل تلك العيوب الناشئة من حبّ الدنيا ، وذلك لأنّه لا يجرأ أحد منهم أن يتصدى للإصلاح فهو يخشى الردّ من الآخرين الذين ينبرون له ويقولون : إنّ هذا العمل أو ذاك شيئاً فلم نفعله ؟ وإن كنت طبيباً فهلّاً عالجت نفسك قبل أن تهم بعلاج الآخرين ( طبيب يداوي الناس وهو عليل ) ؟ وهل يصح اطلاق الحجر ممن كان بيته من الزجاج ؟ ! ثم إختتم الإمام عليه السلام خطبته بالقول كأنّكم قد اتفقتم على نبذ الآخرة والذوبان في الدنيا وقد أصبح الدين لقلقة لسان ، وأنّكم لأشبه بمن قام بعمله وأحرز رضى سيده ومولاه : « قَدْ تَصَافَيْتُمْ عَلَى رَفْضِ الآجِلِ وَحُبّ الْعَاجِلِ ، وَصَارَ دِينُ أَحَدِكُمْ لُعْقَةً « 1 » عَلَى لِسَانِهِ . صَنِيعَ مَنْ قَدْ فَرَغَ مِنْ عَمَلِهِ وَأَحْرَزَ رِضَا سَيّدِهِ » . قد تحصل أحياناً بعض الأفعال الشائنة بين الناس دون أن يكون هناك اتفاق مسبق عليها ، إلّاأنّها على درجة من التناغم والتنسيق والانسجام وكأنّهم حضروا عدّة جلسات مخططة ومبرمجة ، وقد اتفقوا على كل شيء ، وما هذا إلّالتشابه الدوافع في مثل هذه الأمور ،
--> ( 1 ) « لعقة » : من مادة « لعق » على وزن فرق بمعنى لحس الشيء وتطلق اللعقة على القليل من الطعام الذييجعله الإنسان بأصبعه أو ملعقة صغيرة على لسانه ويبتلعه بسرعة ، وهى كناية عن الشيء المختصر .