الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

46

نفحات الولاية

نعم ، فعيون قلوبهم باكية لما يرون في أنفسهم من نقائص وعيوب وما يبتدر منهم من زلّات أحياناً ، وإن عاشوا حالة من السرور والضحك على مستوى الآداب الاجتماعية والأخلاقية ، إنّهم يأسفون على ماضيهم ويغتمون لما كانت في أيديهم من فرص لم يستثمروها ، رغم ما هم عليه ظاهرياً من الفرح والسرور ، إلى جانب ذلك فانّ لسانهم يلهج بحمد اللَّه وشكره على ما حباهم به من نعم مادية ومعنوية من جهة ، ومن جهة أخرى فهم لا ينفكون عن مقتهم لأنفسهم وتوبيخها لشعورهم بالتقصير في عدم استثمارها بالشكل الصحيح . وخاصة القول فهم في مقام النقد لأنفسهم وإصلاح نقائصهم ومعايبهم المعنوية وهذا هو السبب في حركتهم التكاملية نحو اللَّه سبحانه ، فهم لا يقنعون بوضعهم السائد قط ليكون ذلك مدعاة لتخلفهم وإنحطاطهم . ثم شرح في النقطة الثانية وضع مخاطبيه ليقارنوا أنفسهم بالزهّاد فيقفوا على عيوبهم ، وقد بيّن لهم ثلاث صفات : « قَدْ غَابَ عَنْ قُلُوبِكُمْ ذِكْرُ الْآجَالِ ، وَحَضَرَتْكُمْ كَوَاذِبُ الآمَالِ ، فَصَارَتِ الدُّنْيَا أَمْلَكَ بِكُمْ مِنَ الآخِرَةِ ، وَالعَاجِلَةُ أَذْهَبَ بِكُمْ مِنَ الآجِلَةِ » . نعم ، فالدنيا تستولي على عقل الإنسان وفكره وينسى الآخرة إذا ما غاب عن قلبه ذكر الموت وإنهمك في هذه الدنيا العابرة وإحاطة القلب بالأماني الخيالية الكاذبة . ثم إختتم عليه السلام هذا المقطع من الخطبة ببيان هذه النتيجة : « وَإِنَّمَا أَنْتُمْ إِخْوَانٌ عَلَى دِينِ اللَّهِ مَا فَرَّقَ بَيْنَكُمْ إِلَّا خُبْثُ السَّرَائِرِ ، وَسُوءُ الضَّمَائِرِ . فَلَا تَوَازَرُونَ « 1 » وَلَا تَنَاصَحُونَ ، وَلَا تَبَاذَلُونَ وَلَا تَوَادُّونَ » . فالعبارة تشير إلى توفر سبل الوحدة بينكم من خلال الإخاء الإسلامي وقد تصدعت هذه السبل بفعل الاختلافات التي تستند إلى التعصب والحقد والحسد وحبّ الدنيا وضيق الأفق ، فأدّى ذلك بالتبع إلى ضعف الأمن الداخلي والعجز أمام العدو الخارجي وبالنتيجة قطعت عنكم البركات الاجتماعية كالتعاون والموازرة وإسداء الخدمات المتبادلة أواصر المحبّة والصداقة .

--> ( 1 ) « لا توازرون » : من مادة « موازرة » بمعنى التعاون والمساعدة .