الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
26
نفحات الولاية
نعم ، فلابدّ لكل إنسان أن يذوق طعم الموت : « كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ . . . » « 1 » . وقال تعالى : « كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * يَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ » « 2 » . ولعل الإنسان يشك في كل شيء ، غير أنّه لا يشك في حقيقة الموت : « واعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ » « 3 » . ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه بضرورة الاتعاظ بمن كان قبلهم من الأمم ممن غرّتهم قواهم ، فلم تنفعهم تلك القوّة شيئاً حتى حملوا راغمين إلى قبورهم ، فلم يحلوا ضيوفاً على تلك القبور بعد أن ورد وهاقراً وإكراهاً دون أن يكون لهم أدنى إرادة واختيار : « وَاتَّعِظُوا فِيهَا بِالَّذِيْنَ قَالُوا : « مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً » « 4 » . حُمِلُوا إِلَى قُبُورِهِمْ فَلا يُدْعَوْنَ رُكْبَاناً « 5 » ، وَأُنْزِلُوا الْأَجْدَاثَ « 6 » فَلَا يُدْعَوْنَ ضِيفَاناً » . ولعل العبارة إشارة لما ورد في الآية 15 من سورة فصلت القائلة : « فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً . . . » . فالمعروف أنّ قوم عاد كانوا ذوي جثث ضخمة وقصور وبيوت فارهة عملاقة ينحتونها وسط الجبال ، الأمر الذي جعلهم يصابون بالكبر والغرور ، فلمّا عتوا عن أمر اللَّه وعصوه أرسل اللَّه عليهم ريحاً عاتية فأحالت جثثهم الضخمة إلى ما يشبه أوراق الأشجار التي تتناثر على الأرض ، حيث حدّث عنهم القرآن الكريم بهذا الشأن قائلًا : « إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ * تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ » . « 7 »
--> ( 1 ) سورة العنكبوت / 57 . ( 2 ) سورة الرحمن / 27 - 28 . ( 3 ) سورة الحجر / 99 . ( 4 ) سورة فصلت / 15 . ( 5 ) « ركبانا » : صرّح بعض شرّاح نهج البلاغة أنّ العرب إعتادت الاصطلاح بالركبان على من يركب مختاراً وله التصرف في مركوبه ، فان نزلوا سموا ضيفان ، أمّا الموتى الذين يحملون إلى قبورهم فلا يدعون ركباناً ولا ضيفان . ( 6 ) « الأجداث » : جمع « جدث » على وزن قفص بمعنى القبور . ( 7 ) سورة القمر / 19 - 20 .