الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
21
نفحات الولاية
بِالْقَوَارِعِ « 1 » ، وَضَعْضَعَتْهُمْ « 2 » بِالنَّوَائِبِ ، وَعَفَّرَتْهُمْ « 3 » لِلْمَنَاخِرِ ، وَوَطِئَتْهُمْ بِالْمَنَاسِمِ « 4 » ، وَأَعَانَتْ عَلَيْهِمْ رَيْبَ الْمَنُونِ « 5 » » . فهذه العبارة المؤثرة تشير إلى أنّ الدنيا ليس فقط لم تقدم العون والمساعدة لعبادها وأصحابها ، بل سارعت بكل ما أوتيت من وقوّة لتوجيه ضرباتها الماحقة إليهم بغية إبادتهم ، وإستئصال شوكتهم ، حتى جندت جميع قواها وطاقاتها ضدهم . والطريف في بيان الإمام عليه السلام هو أنّه بدأ من المراحل الكبرى نزولًا إلى الصغرى في إطار تصويره لإعانة الدنيا وما يمكنها أن تقدمه من نصرة ومساعدة ، بينما تدرج في أضرارها التي تصيب من تعلق بها من المراحل السفلى إلى المراحل العليا المتمثلة بالانقضاض عليهم وإزالتهم من صحفة الوجود ، ولعمري هذه قمة الفصاحة والبلاغة في بيان الحقائق المريرة والأليمة ويكشف النقاب عن مدى وضاعة الدنيا وانحطاطها وتنكرها لمن أخلد إليها واطمأن بها . ثم خلص عليه السلام إلى نتيجة ممّا سبق مفادها تنكر الدنيا لأصحابها ممن آثرها على كلّ شيء وهو الأمر الذي رأوه بأم أعينهم ( أو لعلهم طالعوه بشأن الأمم التي سبقتهم ) فقد سلمتهم للأقدار وساقتهم نحو الموت دون أن يعدّوا الزاد والمتاع لتلك الدار الآخرة : « رَأَيْتُمْ تَنَكُّرَهَا لِمَنْ دَانَ لَهَا ، وَآثَرَهَا وَأَخْلَدَ « 6 » لَهَا ، حِينَ ظَعَنُوا عَنْهَا لِفِرَاقِ الْأَبَدِ » . فهل أمدتهم هذه الدنيا بشيء سوى الجوع والفقر ؟ وهل عرضتهم سوى للتعب والارهاق
--> ( 1 ) « قوارع » : جمع « قارعة » بمعنى المحن والدواهى . ( 2 ) « ضعضعت » : من مادة « ضعضعة » بمعنى الذلة والهوان ، كما تأتي بمعنى الإبادة . ( 3 ) « عفرت » : من مادة « التعفير » كبتهم على مناخرهم في العفر وهو التراب . ( 4 ) « المناسم » : جمع « منسم » يكسر الميم وهو مقدم خف البعير . ( 5 ) « ريب المنون » : الريب الشك الذي يكشف عنه الغطاء آخر لأمر ويبلغ اليقين ، والمنون يعني الموت ، وريب المنون الموت المحتمل ويراد بها أحياناً مكاره الدهر التي تكون في البداية مشكوكة ثم يحصل بها اليقين . ( 6 ) « أخلد » : من مادة « إخلاد » وأصلها من الخلود ، والعبارة أخلد إليها بمعنى الركون ، أي أنّ أصحاب الدنيا قد أبدوا منتهى الرغبة بالدنيا وكأنّهم التصقوا بها .