الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

94

نفحات الولاية

ومن الواضع جداً دور الطبيعية وجمالها في صفاء روح الإنسان وإزالته لتعبه وارهاقه إلى جانب تفعيل قوته وطاقته ؛ وعليه فالحديث لا يقتصر على مسألة الجمال ، وإن كان هذا الجمال يمثل جانباً من جمال الحق سبحانه وجلاله ؛ بل إنّ هذا الجمال يعد أحد عوامل بقاء الحياة وديمومتها ، بل ذهب بعض العلماء إلى أهمية دروه حتى في نشاط الحيوانات . ثم قال عليه السلام بأنّ كل ذلك زاد ومتاع للإنسان ورزق للانعام : « وجعل ذلك بلاغاً « 1 » للأنام ، ورزقاً للأنعام » ، فالإنسان لا يستفيد من نعم الطبيعية على مستوى الغذاء فحسب ، بل يؤمن عن طريقها لباسه ومسكنه ومركبه ، وبصورة عامة كافة حاجاته ومتطلباته . قال القرآن الكريم بهذا الشأن : « أَنّا صَبَبْنا الْماءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنا الأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنا فِيها حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا * وَحَدائِقَ غُلْباً * وَفاكِهَةً وَأَبّاً * مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ » « 2 » . نعم فالإنسان لايتغذى على النباتات وثمارها ، وينسبح مفروشاته من مختلف أليافها فحسب ، بل يبني بيوته من خشبها وينصب الخيام من أليافها ، كما يغطي أغلب حاجاته ومتطلباته عن طريق منتجات الحيوانات التي تتغذى على النباتات . ثم اختتم خطبته عليه السلام بالإشارة إلى مسألة مهمّة أخرى خلقها الله في الأرض من أجل الإنسان : « وخرق الفجاج « 3 » في آفاقها وأقام المنار للسالكين على جواد « 4 » طرقها » . فادنى نظرة إلى الأرض وكل بقعة من هذه الكرة الأرضية يتضح من خلالها بأنّ الجبال لم تحول دون الحركة على الأرض أو بفصل بعض بقاعها عن البعض الآخر فحسب ، بل جعل في كافة مواضعها الأودية والشقوق لا يصالها مع بعضها عن طريق السبل والجادات وما إلى ذلك : وقلما يلتفت الإنسان أنه لولا وجود هذه الجادات والجبال العملاقة المتصلة مع بعضها والتي تشكل جدارا لمنع عبور الناس والحيوانات وتقسم الأرض إلى إقسام متناثرة لتعرض لعظيم البلاء وعاش أشد الفاقة : « وَجَعَلْنا فِي الأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ

--> ( 1 ) « بلاغ » من مادة « بلوغ » الوصول إلى الشيء وهو هنا ما يتبلغ به من قوت . ( 2 ) سورة عبس / 25 - 32 . ( 3 ) « فجاج » جمع « فج » بمعنى الوادي بين الجبلين . ( 4 ) « جواد » جمع « جادة » الطريق الواسع الواضح .