الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
6
نفحات الولاية
عظمة أمير المؤمنين علي عليه السلام وإرتباطه بالعالم القدسي وانفتاحه على خزائن العلم الإلهي . قال ابن أبي الحديد فيتعليقه على هذه الخطبة : « إذا جاء هذا الكلام الربانيّ ، واللفظ القدسي ، بطلت فصاحة العرب ، وكانت نسبة الفصيح من كلامها إليه ، نسبة التراب إلى النضار الخالص ؛ ولو فرضنا أنّ العرب تقدر على الألفاظ الفصيحة المناسبة ، أو المقاربة لهذه الألفاظ ، من أين لهم المادة التي عبرت هذه الألفاظ عنها ؟ ومن أين تعرف الجاهلية بل الصحابة المعاصرون لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله هذه المعاني الغامضة السمائية ؛ ليتهيأ لها التعبير عنها أمّا الجاهلية فانّهم إنّما كانت تظهر فصاحتهم في صفة بعير أو فرس أو حمار وحش ، أو ثورة فلاة ، أو صفة جبال أو فلوات ؛ ونحو ذلك . وأمّا الصحابة فالمذكورون منهم بفصاحة إنّما كان منتهى فصاحة أحدهم كلمات لا تتجاوز السطرين أو الثلاثة ، إمّا في موعظة تتضمن ذكر الموت أو ذم الدنيا ، أو ما يتعلق بحرب وقتال ؛ من ترغيب أو ترهيب . . . » . ثم أضاف ابن أبي الحديد بعد أن أشاد بالخطبة قائلًا : « وأقسم أنّ هذا الكلام إذا تأمله اللبيب اقشعر جلده ، ورجف قلبه ، واستشعر عظمة اللَّه العظيم في روعه وخلده ، وهام نحوه وغلب الوجد عليه وكاد أن يخرج من مسكه شوقاً ؛ وأن يفارق هيكله صبابة ووجداً » « 1 » . على كل حال فانّ هذه الخطبة تشتمل على عدّة أقسام ، يكمل كل واحد منها الآخر . وهى على عشرة أقسام : القسم الأول : في جانب من صفات اللَّه سبحانه وتعالى من أجل إعداد الأفكار لتقبل ما يرد عليها من حقائق . القسم الثاني : يتضمن إجابة عن سؤال السائل عن صفات اللَّه ويجعل القرآن ميزانا في دائرة أسماء اللَّه وصفاته ، ويوصيه بالتمسك بآياته سيّما في هذا البحث . القسم الثالث : الإشارة إلى عجز الإنسان عن الإحاطة العلمية بكنه الذات والصفات
--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6 / 425 .