الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
47
نفحات الولاية
وعلى هذا الأساس يجوز عليها الصعود والنزول والذهاب والاياب . وسنخوض أكثر في هذا الموضوع في المقطع القادم من الخطبة بأذن اللَّه السؤال الآخر الذي يطرح نفسه هنا : هل هناك من مكان يضم اللَّه في السماوات لتهبط منه الملائكة فتوصل الرسالات والأوامر ثم تصعد إليه باعمال العباد ؟ قطعاً لا يمكن تصور مثل هذا الأمر على الحق سبحانه الذي يفوق عالم المادة ولا يجري عليه زمان ولا يحويه مكان ولا يتركب من أجزاء . اذن فما معنى هذا الصعود والهبوط ؟ يبدو أنّ الإجابة على هذا السؤال تتضح من خلال الالتفات إلى هذه المسألة الدقيقة وهى : صحيح أنّ السماوات والأرضين مخلوقات اللَّه ، إلّاأنّ هناك بعض المراكز في هذا العالم المادي التي تعد من مواضع انعكاس الأنوار الإلهية . أو بعبارة أخرى هناك بعض المواضع التي لها قداسة خاصة . على غرار الأرض التي لا تتساوى جميع بقاعها . على سبيل المثال فقد اتجه موسى بن عمران عليه السلام إلى الطور حين أراد أن يأخذ الألواح ، كما كان نبي الإسلام صلى الله عليه وآله يتجه قبيل انبثاق الدعوة إلى غار حراء ؛ والحال هذان الموضعان ليسا بأقرب من غير هما إلى اللَّه ، إلّاأنّ قديسة بعض المواضع تجعلها أعظم اشعاعاً للأنوار الإلهية كالطور وحراء والمسجد الحرام . وهكذا الأمر بالنسبة للملائكة ، فهناك بعض المراكز القدسية في العالم العلوي تتسلم فيها الملائكة الأوامر الإلهية ، وهى المراكز التي بلغها رسولاللَّه صلى الله عليه وآله في معراجه ، بل جاوزها لما هو أقرب ليفيض اللَّه عليه من لطفه وعنايته ، وهناك تستودع الأعمال الخيرة للعباد وتحفظ إلى يوم القيامة . ثم خاض الإمام عليه السلام في تفاصيل ما أورده سابقا على نحو الاجمال ، حيث عرض بالشرح بخمس عبارات لمراحل خلق السماوات . فأشار في العبارة الأولى إلى أمره ( ويراد به الأمر التكويني لا جتياز مراحل الخلقة والتكامل ) السماء حين كانت على هيئة دخان « وناداها بعد إذ هي دخان » فهذه العبارة في الحقيقة أشارت إلى أولى مراحل خلق العالم التي تعرضت لها الآية من سورة فصلت « ثُمَّ اسْتَوى إِلى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ » « 1 » وهو الأمر الذي يقره العلم المعاصر في أنّ العالم برمته كان في البداية كتلة عظيمة جداً من الغاز . وقال في العبارة الثانية ( حيث وردت الخلقة مرحلة جديدة ) « فالتحمت عرى أشراجها » . فبالنظر إلى أنّ معنى الالتحام هو الوصل ، والعرى جمع عروة بمعنى المقبض ، والأشراج جمع
--> ( 1 ) لابدّ من الالتفات هنا إلى أنّ ثم الواردة في الآية تعنى التأخير في البيان لا الزمان . وعليه فهي لا تدل على أنّخلق السماوات جاء بعد خلق الأرض ( راجع التفسير الأمثل / 11 من سورة فصلت ) .