الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
43
نفحات الولاية
الخلقة ، الأول : استواء هذه الموجودات دون أي اعوجاج أو انحراف : « فأقام من الأشياء أودها » « 1 » الثاني : أنّه عين لها المسار الذي ينبغي لها أن تسلكه « ونهج حدودها » . الثالث : تأليفه بين الأشياء المتضادة بقدرته « ولاءم يقدرته بين متضادها » . الرابع : ربطها مع نظائرهأ « ووصل أسباب قرائنها » . والخامس : تقسيمها إلى أنواع مختلفة على أساس الحدود والأجناس والمقادير والغرائز والاشكال والهيئات « وفرقها أجناسا مختلفات في الحدود والأقدار والغرائز والهيئات » وهكذا تمّ نظام الخلق وتكامل من جميع الجهات ليقوم بوظائفه على اختلاف أنواعه وأجناسه كوحدة واحدة ضمن قانون واحد . وأبعد من ذلك تعاضدت وتعاونت حتى الأشياء المتضادة لتفرز نتائج باهرة ، كما اتصلت الأشباه والنظائر ، لتشكل بالتالي مجموعة بديعة عجيبة تشير إلى مدى قدرته المطلقة سبحانه وعلمه التام . ذهب بعض شرّاح نهج البلاغة إلى أنّ المراد بالقرائن في العبارة هي نفوس البشر التي أقرها اللَّه في الأبدان ، حيث يبدو في الظاهر أنّ هناك تضاد بين البدن الذي ينتمى إلى عالم المادة والنفس التي تنتمي إلى عالم المجردات . طبعاً وان كان أحد معاني القرينة ( وجمعها قرائن ) في اللغة هو النفس الإنسانية إلّاأننا لا نمتلك الدليل الذي يجعلنا نصرف المعنى المذكور ليقتصر على هذه النفس : بل الهدف هو بيان جمع الأضداد ووصل القرائن والأشباه في جميع أنحاء عالم الوجود والذي يعد الوجود الإنساني أحد مصاديقه ، وأنّ أصل إطلاق القرينة على نفس الإنسان إنّما يعزى لاقترانها ببدنه . ثم إختتم عليه السلام كلامه بالقول على أساس الخلوص إلى نتيجة واضحة : « بدايا خلائق أحكم صنعها ، وفطرها على ما أراد وابتدعها » « 2 » . تأمّل : أوضح طريق إلى معرفة اللَّه يعتبر تأكيد الإمام عليه السلام على التفكير في عالم الخلق والتأمل في خلق المخلوقات دون
--> ( 1 ) « أود » بمعنى الاعوجاج . ( 2 ) الجملة من حيث النحوهي أنّ « بدايا » خير لمبتدأ محذوف تقديره هذه ، وإضافة بدايا إلى الخلائق من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف ، التي تعنى في الأصل خلائق بدايا ، وبدايا جمع بديئه المصنوع البديع .