الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

327

نفحات الولاية

نعم فمن يحتاج إلى الفكر والانفتاح على تجارب الآخرين ، من كان علمه محدوداً ، جاهلًا بما غاب عنه . والعبارة السابقة من قبيل ذكر الخاص بعد العام ؛ أي أنّها تحدثت أولًا عن علم اللَّه بباطن جميع الأشياء ، ثم علمه بالعقائد الخفية للإنسان . تأمّل : في سعة علم اللَّه تعتبر مسألة علم اللَّه من المسائل المهمة من خلال النظرة المعرفية ، وكذلك من حيث الآثار الأخلاقية والتربوية . وهى المسألة التي أورد القرآن بشأنها عدة أبحاث مهمة ، وقد كشف عن سعتها بأمثلة رائعة ، من ذلك : « وَلَوْ أَنَّ ما فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » « 1 » . ولو تأملنا هذا المثال وتصورنا معناه ، لا كتشفنا هذه الحقيقة وهى أنّ علمه سبحانه أوسع وأشمل ممّا نعتقد . ومن البداهة أنّ هذا العلم ليس بعلم حصولي يتأتى عن طريق التصور والتصديق ، بل هو علم حضوري . أي أن حضور الحق سبحانه في كل زمان ومكان وحضور جميع الأشياء لدى ذاته المطهرة يقتضى ألايخفى عليه شيء ، لأنّ حقيقة العلم تعني حضور المعلوم لدى العالم . غير أنّه في العلم الحصولي لايحضر شخصاً لدى العالم ، بل تحضر صورته في الذهن عن طريق التصور أو التصديق . أمّا في العلم الحضوري فالذي يحضر لدى العالم ذات المعلوم ، وجميع الأشياء والحوادث في كل زمان ومكان ، باطنها وظاهرها عن طريق هذا العلم الحضوري واضحة لدى اللَّه . ومن هنا قال عليه السلام : خرق علمه باطن غيب السترات ، وأحاط بغموض عقائد السريرات .

--> ( 1 ) سورة لقمان / 27 .