الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

317

نفحات الولاية

فأقامها فرماها ، فخرق الحديد حتى عبر النصل إلى جانبها الآخر ، ثم قال : انظر الآن ، ثم رمى بعض العرب المارين عليه عشرين سهما لم يصبه ولا فرسه منها بسهم واحد ؛ وأنّه لقريب منه غير بعيد . ولقد كان بعض السهام يسقط بين يدي الاسوار ، فقال له بالفارسية : أعلمت أنّ القوم مصنوع لهم ! قال : نعم . « 1 » ثم أشار عليه السلام في القسم الأخير من هذا الموضع من الخطبة إلى جحد الناس لتلك النعم والقدرة ، فقال عليه السلام رغم كل ذلك لاتهتز لكم قصبة وأنتم ترون كل هذه الانتها كات ونقض العهود والقوانين والأحكام الإلهية ! في حين تشتاطون غضباً فيما إذا نقضت ذمم آبائكم : « وقد ترون عهود اللَّه منقوضة فلا تغضبون ! وأنتم لنقض ذمم آبائكم تأنفون « 2 » » . أي لو نقضت سنة قبلية أو طائفية كانت شائعة بينهم لارتفعت أصواتهم ، في حين ينتهك بني أمية السنن الإلهية بمرأى ومسمع منهم دون أن ينبسوا ببنت شفة ، وهذا قمة جحود النعم الإلهية . ثم قال عليه السلام : « وكانت أمور اللَّه عليكم ترد ، وعنكم تصدر ، وإليكم ترجع ، فمكنتم الظلمة من منزلتكم ، وألقيتم إليهم أزمتكم ، وأسلمتم أمور اللَّه في أيديهم » . وهذا جحود آخر ، فبعد كل تلك القوة والقدرة - بحيث كان كل شيء بأيديهم وتابع لإرادتهم - أخلوا الساحة للظلمة ودعوهم يجلسون على منبر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ويتحكموا بأمور المسلمين . ثم قال عليه السلام في وصف هؤلاء : « يعملون بالشبهات ، ويسيرون في الشهوات » . نعم فقد فوضت الأمور على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إلى الصالحين فكانوا يعملون على ضوء التعاليم الإسلامية ، إلّاأنّ الغفلة والضعف وجحود النعم أدى لأنّ يتزعم الأمور تلك الثلة من سليلي الجاهلية وبقايا أهل الشرك والعصبية ، حيث تربع ابن أبي سفيان - أعدى أعداء الإسلام - على عرش الحكومة الإسلامية فقلب أمور الإسلام رأساً على عقب . ذهب بعضي شرّاح نهج البلاغة إلى المراد بالعبارة 11 : « وكانت أمور اللَّه عليكم ترد . . . »

--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 7 / 177 . ( 2 ) « تأنفون » من مادة « أنف » على وزن شرف بمعنى الحمية والغضب والعِزّة .