الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
294
نفحات الولاية
ثم حذر بني أمية قائلًا : « فاقسم بالله ، يا بني أمية ، عما قليل لتعرفنها في أيدي غيركم وفي دار عدوكم » . إيّاكم والظن بأنّكم أن سفكتم دماء الأبرياء ولم ترحموا صغيراً وتوقروا كبيراً ، ورسختم دعائم حكومتكم على الظلم والعدوان ونهب الأموال وقتل الناس ، فانّ هذه الحكومة دائمة لكم ! فسرعان ما ينهض لكم الأعداء ويسددوا لكم ضرباتهم الماحقة حتى يطيحوا بحكومتكم ويقضوا عليكم ، بل سوف لن يرحموا حتى موتاكم ، فسيخرجونهم من قبورهم ويحرقون أجسادهم . ويشير التأريخ إلى تحقق كل ما أخبر به الإمام عليه السلام ، وقد مر شرح ذلك في الخطبة 87 . « 1 » ثم إختتم الكلام بقوله عليه السلام : « ألا إنّ أبصر الأبصار ما نفذ في الخبر طرفه ! ألا إنّ أسمع الاسماع ما وعى التذكير وقبله » . أي إن كان لكم بصر وسمع مفتوح ، لم تعد عليكم من صعوبة في الظفر بسبيل الخير والسعادة ، غير أنّه لمن المؤسف أن أهوائكم النفسية وطغيانكم قد غطى أبصاركم وأسماعكم بالحجب ، بحيث لا يسعكم رؤية الحق ولاسماع المواعظ . جدير ذكره سئل بعض شيوخ بني أمية عقيب زوال الملك عنهم : ما كان سبب زوال ملككم ؟ فقال : جار عمالنا على رعيتنا ، فتمنوا الراحة منا ، وتحومل على أهل خراجنا فجلوا عنا ، وخربت ضياعنا فخلت بيوت أموالنا ، ووثقنا بوزرائنا فآثروا مرافقهم على منافعنا ، وأمضوا أموراً دوننا ، أخفوا علمها عنا ، وتأخر عطاء جندنا فزالت طاعتهم عنا ، واستدعاهم عدونا فظافروه على حربنا ، وطلبنا أعداءنا فعجزنا عنهم لقلة أنصارنا ، وكان استتار الأخبار عنّا من أوكد أسباب زوال ملكنا . « 2 » ونرى هنا يوضوح عمق ما أخبر به الإمام عليه السلام في هذه الخطبة .
--> ( 1 ) المجلد الثالث من هذا الكتاب في الخطبة 87 ؛ ج 4 الخطبة 93 . ( 2 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 7 / 136 .