الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

283

نفحات الولاية

وهنا يمكن أن يطرح هذا السؤال : إنّ القرآن صرّح في موضع آخر قائلًا : « وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ » « 1 » . أضف إلى ذلك فانّ قاعدة اللطف تقتضي أن يكون لكل أمّة رسول مبعوث من الله . ونقول في الجواب : أنّ المراد بالآية وما ورد في الخطبة كبار أنبياء الله الذين ذاع صيتهم في الارجاء ، وإلّا فليس هناك من زمان ليس لله فيه من حجة بين الناس . ومن هنا يصطلح بالفترة على الفاصلة الواقعة بين بعث السيد المسيح عليه السلام والنبي صلى الله عليه وآله ؛ والحال كان هناك أوصياء المسيح عليه السلام من بعده . أضف إلى ذلك لم يدع أحد من العرب في زمان بعثة النبي صلى الله عليه وآله - المراد بهذه الخطبة - النبوة والاتصال بالوحي والإتيان بكتاب سماوي . 2 - القوة في الدين يستفاد من عبارات الإمام عليه السلام الواردة في هذه الخطبة أنّ ظهور الإسلام لم يقتصر على اصلاح دين الناس فقط ، بل حل إلى جانب ذلك الكثير من مشاكلهم الدنيوية . وهكذا تبلورت أمة قوية وحكومة مقتدرة في ظل الدين الجديد ، تمكنت من إدارة شؤون الامّة وزعامتها لسنوات طويلة ؛ ولعل هذه الحكومة كانت ستخلد لو لم تنحرف عن المسار الإسلامي الصحيح . إضافة إلى ذلك نهضت الحضارة وتطورت الثقافة لتشهد اتساعاً ورقياً في ظل التعليمات الإسلامية ، حتى كانت صفحة جديدة في فصل التأريخ البشري . كل هذه أدلة على أن اتباع التعاليم الإسلامية إنّما يؤدي إلى ضمان سلامة دين الإنسان وعمارة دنياه . والعبارات الأربع الواردة في الخطبة شاهد على هذا الادعاء ، فقد قال عليه السلام : حتى أراهم منجاتهم ، وبوأهم محلتهم ، فاستدارت رحاهم ، واستقامت قناتهم . لتصف بمجموعها سعادتهم المعنوية والمادية .

--> ( 1 ) سورة فاطر / 24 .