الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

272

نفحات الولاية

يبتعد عن الآمال التي لا تستند لأيالمنطق ، ولا يتجاوز حدود نفسه ، ولا يضع نفسه في موضع ليس له باهل ، فلا يعبث بماء وجهه وقدره . على غرار ما ورد في بعض الروايات : « رحم الله من عرف قدره ، ولم يتجاوز حده » « 1 » . والثالث : أنّ المراد هو أنّ الإنسان موجود قيم له استعدادته العالية ، فلا ينبغي أن يبيع هذه الجوهرة الثمينة برخص ولايزهد في نفسه وإمكاناته ؛ الأمر الذي ورد في الشعر المنسوب لأمير المؤمنين علي عليه السلام إذ قال : أتزعم أنك جرم صغير * وفيك انطوى العالم الأكبر وبالنظر إلى إمكانية استعمال اللفظ لأكثر من معنى ، حيث يعد ذلك من جمالية الكلام وبدائعه ، فلا يبدو من المستبعد الجمع بين هذه الاحتمالات الثلاث في تفسير الكلام المذكور ؛ وإن كانت العبارات القادمة أنسب للمعنى الثاني والثالث . ثم واصل عليه السلام كلامه بالتعريف بمن تشبه من العلماء من الجهال البعيدين عن الحق والصواب فقال عليه السلام : « وإن من أبغض الرجال إلى الله تعالى لعبدا وكله الله إلى نفسه ، جائراً عن قصد السبيل ، سائراً بغير دليل » . طبعا لا يسع الإنسان ما لم تحفه عناية الله والطافه ان يتجاوز هذه الموانع والآفات الخطيرة التي تعترض طريقه ، فإذا وكلّ إلى نفسه فسوف لن تكون عاقبته سوى المهلكة ؛ فهو ينحرف عن الصراط ، ويفقد الدليل فيسير على عمى وضلال . ثم وضح ذلك عليه السلام بالقول أنّه اغتر بالدنيا وخدع بها بحيث لا يعمل إلّالها ولا يجهد نفسه إلّا من أجل الحصول على متاعها : « إن دعي إلى حرث الدنيا عمل ، وإن دعي إلى حرث الآخرة كسل » . فهو نشط من أجل الدنيا ، كسل من أجل الآخرة ، وذلك لضعف ايمانه بالآخرة وعدم اعتقاده بالوعد والوعيد الإلهي . فلم يبصر سوى الدنيا وينسى الآخرة . ومن هنا إختتم عليه السلام كلامه بهذا الشأن بالقول : « كأن ما عمل له وأحب عليه ، وكأن ما ونى فيه ساقط عنه » « 2 » .

--> ( 1 ) اشتهرت هذه العبارة التي يطلقها العلماء بالاستفادة من الأحاديث . ( 2 ) « ونى » بمعنى ضعف وتعب .