الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

24

نفحات الولاية

الأوهام ، لتدرك منقطع « 1 » قدرته . وحاول الفكر المبرأ من خطرات الوساوس أن يقع عليه في عميقات غيوب ملكوته ، وتولهت « 2 » القلوب إليه ، لتجرى في كيفية صفاته ، وغمضت مداخل العقول في حيث لا تبلغه الصفات لتناول علم ذاته ، ردعها وهى تجوب « 3 » مهاوى « 4 » سدف « 5 » الغيوب ، متخلصة إليه سبحانه » . فالواقع هو أنّ الإمام عليه السلام أشار إلى أربعة عوامل للبحث في إطار السعي لمعرفة كنه الصفات ؛ الأول : الأفكار العادية الملوثة ، والثاني الأفكار المنزهة عن الوساوس ، والثالث : القلوب المفعمة بحب اللَّه والتي تحث الخطى باتجاه الشهود ، والرابع : والأخير العقول الحادة والدقيقة التي تعتمد الطرق الاستدلالية والنظرية في تعاملها مع المسائل ، ليصفها الإمام عليه السلام في خاتمة المطاف بالعجز عن إدراك كنه ذاته وصفاته ، وأنّ لتلك الذات والصفات أنوار خاطفة تسلب العقول لبها وتردع أصحاب هذا السبيل من الخوص والتقدم . فهو كما قال الشاعر : فيك يا أعجوبة الكون غدا الفكر كليلًا * أنت حيرت ذوي اللب وبلبلت العقولا كلما قدّم فكري فيك شبراً ، فرّ ميلًا * ناكصاً يخبط في عمياء لا يهدي سبيلا ثم واصل الإمام عليه السلام كلامه بأنّ عاقبة حركة هذه العقول والقلوب والأوهام هو العجز ، فلا ترى أمامها سوى الاعتراف بسذاجة السعي وتفاهة الحركة التي ليس من شأنها الانفتاح على ذاته وصفاته ، فعقول البشر قاصرة عاجزة ليس لها إدراك ذلك بل لاتخطر عظمته وعزته على أفكار العلماء : « فرجعت إذ جبهت « 6 » معترفة بأنّه لا ينال بجور الاعتساف « 7 » كنه معرفته ، ولا

--> ( 1 ) « منقطع » الشئ ما إليع ينتهى حيث يحصل القطع عادة آخر الشئ . ( 2 ) « تولهت » من مادة « وله » بمعنى العشق وشدة حب الشئ حتى تجعل الإنسان حيراناً وتصيبه بالذهول . ( 3 ) « تجوب » من مادة « جوب » على وزن ذوب بمعنى القطع والثقب . فقد ورد في الآية التاسعة من سورة الفجر بشأن قوم الثمود « وثمود الذين جابوا الصخر بالواد » في إشارة إلى دورهم التي كانوا يبنوها في الجبال من جراء قطع الحجر والصخر . ( 4 ) « مهاوى » جمع « مهواة » و « مهوى » تعنى في الأصل الوادي بين جبلين ، أو الحفرة بين جدارين ، ولما كان مثل هدا المكان مطبا ، فقد وردت هذه الكلمة بمعنى الهلاك . ( 5 ) « سدف » جمع « سدفة » بمعنى الظلمة . ( 6 ) « جبهت » من مادة « جبهة » بمعنى الجبين با البناء للمجهول ضربت جبهتها والمراد عادت خائبه . ( 7 ) « اعتساف » السلوك على غير جادة ، كما وردت بمعنى مطلق الانحراف والعدول عن الشئ .