الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
235
نفحات الولاية
سيرة أمير المؤمنين علي عليه السلام يذعن بهذه الصفات التي انطوت عليها شخصيته . فقد تواتر عليه بعض الأفراد بعد رحيل النبي صلى الله عليه وآله وناشدوه القيام ؛ إلّاأنّه لم يجبهم بسبب عدم توفر الشرائط اللازمة إلى جانب خشيته من الأعداء المتربصين بالإسلام ، بينما نهض بالأمر لما تغيرت الظروف . وهناك شواهد أخرى كثيرة وردت في كلماته عليه السلام بهذا الشأن « 1 » . ثم قال عليه السلام : « فإذا أنتم ألنتم له رقابكم ، وأشرتم إليه باصابعكم ، جاءه الموت فذهب به » . إشارة إلى أنّه يعاني الأمرين حتى يجمعكم تحت رايته ، وتسلمون لإمامته بحيث تشيرون إليه من كل جانب ، ولكن ما أن تتمهد مقومات الاتحاد وعناصر النصر والغلبة حتى تأخذه يد القدر منكم فتتفرقون ثانية ويتسلط عليكم الأعداء . ولعل العبارة إشارة لما أوردناه سابقاً في سند الخطبة في أنّ الناس اجتمعوا على الإمام عليه السلام في الشهر الذي قتل فيه بحيث اجتمع له مأة الف سيف ، عقد كل عشرة آلاف لرجل ، فخرج عليه السلام يريد الشام ، فحال ابن ملجم بينه وبين ذلك . إلّاأنّ بعض شرّاح نهج البلاغة فسروها بعصره عليه السلام ، إلّاأنّ هذا التفسير يبدو بعيداً ، وذلك لأن العبارات قبل هذه الجملة تفيد خلاف هذا المعنى ، ولا سيما أنّ الخطبة بعد خلافة عليه السلام وفيها إشارات إلى المستقبل . ثم حاول الإمام عليه السلام الحيلولة دون شعور أصحابه باليأس ، فبشرهم بالنصر القادم قائلًا : « فلبثتم بعده ما شاء الله حتى يطلع الله لكم من يجمعكم ، ويضم نشركم » . أمّا من المقصود بهذا القيام ؟ فقد أورد الشرّاح احتمالين : أحدهما : أن يكون المراد قيام الإمام المهدي عليه السلام ، والآخر قيام بني العباس الذي أنهى حكومة بني أمية واجتث جذور ظلمهم وفسادهم ، وان ما رسوا بدورهم نوعاً آخر من الجرائم والجنايات . ويبدو الاحتمال الأول أنسب ، فلم تكن لبني العباس مثل هذه الجدارة في عباراته عليه السلام ، كما لم تكن جناياتهم بحق شيعة علي عليه السلام وأهل العراق بأقل من جنايات بني أمية . أضف إلى ذلك فالكلام في رافع راية
--> ( 1 ) راجع شرح الخطبة الخامسة والسادسة من المجلد الأول من هذا الكتاب .