الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
210
نفحات الولاية
الوبر فيرادبه صوف الناقة ، فالمراد ببيت الوبر الخيام التي كانت تقام في القرى والبوادي ، والحق أنّ هذا أروع تعبير لشمولية الظلم بحيث لا يسع أحد النجاة من ذلك الظلم . وهو الظلم الذي قد يدفع بالبعض إلى الفرار من بيوتهم . ثم تطرق عليه السلام إلى أنّ الناس آنذاك على طائفتين ؛ طائفة تبكي دينها ، وأخرى تبكى دنياها : في تصويره للفاجعة الثالثة « وحتى يقوم الباكيان يبكيان : باك يبكى لدينه ، وباك يبكي لدنياه » . نعم فالمتدينون يبكون خشية على دينهم من الأخطار التي تهدده من هذه الطغمة سليلة الجاهلية ، بينما يبكي أصحاب الدنيا على دنياهم ، فالظلمة قد ساموا الناس الظلم في دينهم ودنياهم . ثم قال عليه السلام : في بيانه للفاجعة الرابعة « وحتى تكون نصرة أحدكم من أحدهم كنصرة العبد من سيده ، إذا شهد أطاعه ، وإذا غاب اغتابه » . في إشارة إلى أنّهم يستعبدون الناس ، وليتها كانت من نوع العبودية التي تسودها علاقة الحب والرأفة بين العابد والمعبود ، بل العبودية التي تختزن كل معاني الظلم والتحقير والاستخفاف ؛ وكأنّهم قيدوا أعناق الناس وسحبوهم بالاتجاه الذي يريدون . ذهب بعض شراح نهج البلاغة إلى أنّ المراد بالعبارة طلب الناس العون من هؤلاء ، لاعون الناس لهم بمعنى نصرتهم ( فالإضافة إلى المفعول لا إلى الفاعل ) : وعليه مفهوم العبارة أنّكم إذا طلبتم عونهم فانّ ذلك كطلب الغلام العون من سيده الظالم ، لا طلب الرفيق من رفيقه . إلّاأنّ عبارتي : « إذا شهد أطاعه ، وإذا غاب اغتابه » تؤيدان المعنى الأول . ثم وصف فاجعتهم الأخيرة بأنّها أشد وأعظم على ذلك الأقرب لله والأكثر عبودية له : « وحتى يكون أعظمكم فيها عناء أحسنكم بالله ظنا » . وهل ينتظر غير هذا من حكومة ظالمة مستبدة مجرمة ، لادين لها ولا أخلاق ، قطعاً محنة العبد في ظل هذه الحكومة تكون أعقد وأصعب كلما كان لربه أطوع وأقرب . ثم اختتم عليه السلام كلامه بتسلية أصحابه وأنصاره لما ينتظرهم من أحداث أليمة : « فان أتاكم الله بعافية فاقبلوا ، وإن ابتليتم فاصبروا فان العاقبة للمتقين » .