الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

196

نفحات الولاية

وطروحاته الفكرية ، بينما كانوا أهل الشام كتلة واحدة عاشت هناك ليتحلوا بكافة عناصر الوحدة والانسجام ووحدة الفكر والثقافة . هذا أولا . وثانياً : كان في جيش الإمام عليه السلام من قدم بغية الحصول على الغنائم ، فان كانت هناك غنيمة سارعوا لميادين القتال ، بينما يقبعون في بيوتهم حيث التضحية والفداء والشهادة . ثالثاً : كان أهل الشام ينظرون إلى منطقتهم كوطن لابدّ من الدفاع عنه والذود عن حياضه ، بينما كان لأغلب أهل الكوفة وطن آخر خارج الكوفة ، وكلما ضاقت عليهم السبل في الكوفة عادوا إلى أوطانهم . أضف إلى ذلك فانّ ضعف إرادتهم وسرعة خداعهم وانفعالهم بالأعيب العدو ، ومن ذلك خديعتهم في صفين ، وعدم معرفتهم بمقام الإمام عليه السلام ومنزلته ، والاغماض عن الحوادث المستقبلية ، كل هذه الأمور كانت تفعل فعلها فيهم في ميدان القتال . ومن هنا كانوا يختلقون مختلف الذرائع للهروب من ساحة الحرب ، ولايتوانون في اغتنام أية فرصة تسنح لهم من أجل الفرار ، منهم يتذرعون تارة بحرارة الجو ، وأخرى ببرودته والحال يصرخ فيهم الإمام عليه السلام : « فإذا كنتم من الحر والقر تفرون ، فأنتم والله من السيف أفر » . « 1 » وكأنّ القتال لابدّ أن ينشب في فصل الربيع ؛ على ظلال الأشجار وسط الحقول الخضراء والمياه المتدفقة وتغريد العصافير والطيور . العنصر الآخر الذي أدى إلى ضعف جيش الكوفة وعدم تحليه بالانضباط هو أنّ أشرافهم كانوا مرفهين على عهد عثمان ، حيث كان يقسم أموال بيت المال دون حساب بين الناس ، وكانت الحصة العظيمة تمنح للزعماء والاشراف والبطانة والأقرباء . فلما تسلم الإمام عليه السلام زمام الأمور تغيرت الأوضاع ليعيشوا مرارة العدالة بعد أن أنسوا بالظالم والجور ، ومن هنا كانوا لا ينفكون عن الشكوى ، هذا من جانب ومن جانب آخر فانّ معاوية كان يسعى جاهداً لتحقيق أهدافه دون الاكتراث لدين الله والقيم الإسلامية والموازين الشرعية ،

--> ( 1 ) نهج‌البلاغة ، خطبة 27 .