الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
152
نفحات الولاية
لعلي عليه السلام المعروف بعدالته ورحمته حتى في ساحات الوغى ومع الخصوم والاعداء ، فكانوا يختلقون مختلف الذرائع ليتمردوا عليه ، فملأوا قلبه دما وشحنوا صدره غيضاً وجرعوه الهم والغمّ . إلّاأنّه لم تمض عليهم مدة حتى دفعوا ثمن ذلك باهضاً ليذوقوا ألوان الذلة والهوان . فقد سلط عليهم زمرة من الجفاة الطفاة القساة الذين لم يرعوا إلّاولاذمة في كبير أو صغير . وقد نهبوا أموالهم وانتهكوا حرماتهم وجرعوهم الموت غصة غصة ، وأحالوا حياتهم ظلاماً دامساً ، حتى تمنوا لحظة من لحظات حكومة علي عليه السلام ولكن هيهات . نعم هذا ما صرح به الإمام عليه السلام في الخطبة 28 : « ألا وإنّه من لا ينفعه الحق يضره الباطل ، ومن لا يستقيم به الهدى ، يجربه الضلال إلى الردى » . حقاً أن هذا الفصل من تأريخ الإسلام مليء بالدروس والعبر ، فمصير أولئك الذين غدروا بأمير المؤمنين علي عليه السلام ينطوي على الدروس والعبر من جانب ، ومن جانب آخر فانّ قصة بني أمية بعد علي عليه السلام هي الأخرى عبرة لمن اعتبر . روى المؤرخ المشهور المسعودي أنّ الحجاج حكم الكوفة والبصرة على عهد عبد الملكبن مروان عشرين سنة ، واحصي من قتله صبراً سوى من قتل في عساكره وحروبه فوجد مائة وعشرين ألفا ، ومات في حبسه خمسون ألف رجل ، وثلاثون ألف امرأة ، منهن ستة عشر ألفا مجردة ، وكان يحبس النساء والرجال في موضع واحد ، ولم يكن للحبس ستريستر الناس من الشمس في الصيف ولا من البرد والمطر في الشتاء ، وكان له غير ذلك من العذاب . « 1 » وذكر ابن قتيبة في الإمامة والسياسة أن الحجاج دخل مسجد البصرة مع مئتي نفر يحملون سيوفهم ثم أمرهم بالهجوم على الناس إن خلع عمامته إذا رموه ، فجعلون يضربون أعناق من في المسجد حتى إمتلأ بدمائهم . ولم يكن ذلك سوى جانبا من مصير من تمرد على الإمام عليه السلام . 2 - عاقبة بني أمية عاقبة بني أمية كانت هي الأخرى أسوأ من عاقبة أهل العراق في حكومة بني العباس
--> ( 1 ) مروج الذهب 3 / 166 .