الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
144
نفحات الولاية
فهم يخنقون أصوات دعاة الحق في حناجرهم ويلتقطون من يعارضهم أينما كان ولا يرون لأي أحد من حق في الحياة سوى من يقوم على خدمتهم ، أو لايشكل أي خطر على مصالحهم ، ولا يفرق لديهم أن يكون داع الحق هذا وطالب العدل ابن رسول الله صلى الله عليه وآله أو من صحابته أم كان من كبار علماء الامّة وأعلامها وهكذا تتضح عمومية الفتنة وشموليتها التي أشار إليها الإمام عليه السلام . كما أشار في الخاصية الرابعة إلى نقطة وهى أنّ المشكلة العظيمة في هذه الحكومة تكمن في عدم وجود أي ملاذ من شأنه توفير الأمن للآخرين والنجاة من ظلم هؤلاء الظلمة ، وليس هنالك من يسمع شكواهم ، الأمر الذي يضطرهم إلى شكوى ظلم الظلمة إلى أنفسهم ومعلوم بالطبع نتيجة مثل هذه الشكوى : « ولا يزال بلاؤهم عنكم حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلا كانتصار العبد من ربّه ، والصاحب من مستصحبه » . والحق هذا هو مصير الأُمّة التي تقوم حكومتها الجائرة والظالمة بقطع ألسن كافة دعاة الحق وتحاصر العلماء وتفرض عليهم الإقامة في بيوتهم ، وتعز الذليل وتذل العزيز وتحطم عناصر القوة في الامّة وتسخرها من أجل منافعها . ثم أشار في الخاصية الخامسة والأخيرة - والتي تؤكد في الواقع الخصائص السابقة - إلى تتابع هذه الفتن وهى عماء وصماء خالية من الأدلة وسبل النجاة : « ترد عليكم فتنتهم شوهاء « 1 » مخشية « 2 » وقطعاً جاهلية ، ليس فيها منار هدى ، ولاعلم يرى » ، وهكذا يكون الإمام عليه السلام قد رسم بهذه الخصائص الصورة القاتمة لظروف وأوضاع حكومة بني أمية ، كما أشار إلى نهايتها ؛ وكأنّه كان قد عاش تلك الفترة المظلمة التي دامت ثمانين سنة ، وكان يرى تفاصيلها رأى العين . فقد كانت حكومة لاتقيم وزناً للقيم والمثل الإسلامية ولاتعترف بالقوانين الإسلامية ، بل هي حكومة مستبدة طاغية تفتقر إلى المنطق والموازين مليئة بالفتن الحاكية عن عصر الجاهلية ، الحكومة التي قد لاتفكر حتى في مصالحها ، لتمارس أقصى درجات الظلم والجور فترتكب ما قل نظيره في التأريخ البشري . والعبارة : « أرباب سوء بعدي » ، إشارة لطيفة إلى هذه الحقيقة وهى أنّكم لم تستجيبوا لحكومتي الإسلامية والإنسانية العادلة ، فليس أمامكم سوى الحكام الظلمة وأرباب السوء . وقد أورد
--> ( 1 ) « شوهاء » من مادة « شوه » على وزن قوم قبيحة المنظر . ( 2 ) « مخشية » من الخشية مخوفة مرعبة .