الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

138

نفحات الولاية

لتلك الأزمان البعيدة ، إلّالمن ارتبط بمصادر الوحي واستند إلى المدد الإلهي والعلم المطلق . والعجيب في الأمر أنّ الإمام عليه السلام أكد في هذه العبارة أني أستطيع أن أخبركم بكافة الحوادث القادمة إلى يوم القيامة من جانب ، ومن جانب آخر أشار إلى جزئيات هذه الحوادث وتفاصيلها . الأمر الذي لا يتيسر إلّاللنبي ومن يستقي علومه ومعارفه منه ، وهنا يبرز هذا السؤال : هل للنبي أو الإمام العلم بالغيب ، وبهذه السعة والشمولية ، والحال هذا القرآن يصرح : « قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمواتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلّا اللَّهُ » « 1 » ، وتبدو الإجابة واضحة ومعروفة على هذا السؤال ، على ضوء ما ورد في الآيات القرآنية ، وكلمات الأئمة عليه السلام ولا سيما الإمام عليه السلام في أن علم الغيب بالذات مختص بالله سبحانه ، والله سبحانه يطلع من يشاء من أوليائه على ذلك العلم ، كما ورد ذلك في الآية 26 - 27 من سورة الجن : « عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ » ، وسيأتي عما قريب أنّ الإمام عليه السلام حين أخبرعن بعض الحوادث ، فتبادر هذا السؤال إلى ذهن أحد الأفراد بشأن علم الإمام عليه السلام للغيب ، ردّ عليه عليه السلام بالقول : « ليس هو بعلم غيب ، وإنّما هو تعلم من ذي علم » ، في إشارة واضحة إلى أنّ الغيب الذاتي للَّه ، وعلم الإمام عليه السلام إكتسابي ، فقد تعلم جميع هذه الأمور من رسول اللَّه صلى الله عليه وآله الذي تعلمها من اللَّه سبحانه وتعالى ( وسيمر علينا في البحث القادم شرح هذا الكلام ) . على كل حال ، لم يقل مثل هذا الكلام بعد رسول اللَّه أحد سوى أمير المؤمنين ، إلّاأنّ الإمام أورد ذلك كراراً ومراراً ليقع عين ما كان يخبر به عليه السلام . وقد أفرد ابن أبي الحديد في شرحه لنهج البلاغة فصلًا أسماه الأمور الغيبة التي أخبر عنها الإمام عليه السلام أورده في ذيل هذه الخطبة ، وسنشير إليه في البحث القادم . والعبارة : « ولاعن فئة تهدى مئة . . . » إشارة إلى أنّ الإمام عليه السلام لا يخبر عن الجماعات الكثيرة والوقائع الخطيرة فحسب ، بل يستطيع الأخبار عن صغائر الحوادث ببركة ذلك التعليم الإلهي . ثم أشار عليه السلام إلى نقطتين بهذا الشأن : الأولى : لتشجيع أولئك على السؤال عن المسائل المصيرية ، حذراً من ندمهم يوماً حين

--> ( 1 ) سورة النمل / 65 ( كما ورد شبيه هذا المضمون في آيات متعددة أخرى ) .