الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
131
نفحات الولاية
ننشدك الله ! ألا ترى ما نحن فيه ؟ ألا ترى الإسلام ؟ ألا ترى الفتنة ؟ ألا تخاف الله ؟ فقال : « قد أجبتكم ، واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم ، وان تركتموني فإنما أنا كأحدكم ، الا أني أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه » ، ثم افترقوا على ذلك واتعدوا الغد . وتشاور الناس فيما بينهم وقالوا : إن دخل طلحة والزبير فقد استقامت ، فبعث البصريون إلى الزبير حكيم بن جبلة وقالوا : احذر تحابه ومعه نفر ، فجاؤوا به يحدونه بالسيف ، فبايع ، وبعثوا إلى طلحة الأشتر ومعه نفر ، فاتى طلحة ، فقال : دعوني أنظر ما يصنع الناس ، فلم يدعه ، فجاء به يتله تلًا عنيفاً ، وصعد المنبر فبايع - ثم خاض ابن أثير في تفاصيل بيعة عامة الامّة . « 1 » فالحق أنّ علياً عليه السلام كان يعلم مدى صعوبة السير على الحق وبسط العدل في ربوع هذه الجماعة التي تربت على مفردات الظلم والجور ، مع ذلك لم يكن يتوانى عليه السلام من التضحية حتى بنفسه من أجل حفظ المبادئ الإسلامية فلم يكن هدف الإمام عليه السلام الاستيلاء على الخلافة مهما كان الثمن ، بل كان يرى الحكومة وسلية لحفظ القيم الإسلامية ؛ الأمر الذي يصعب إدراكه على من ليس له علم بفحوى رسالة الأنبياء والأولياء ، فقد نقل ابن أبي الحديد عبارة رائعة عن بعض العلماء بهذا الشأن إذ قال : وبهذا ونحوه استدل أصحابنا المتكلمون على حسن سياسته وصحة تدبيره ، لأنّ من مني بهذه الرعية المختلفة الأهواء ، وهذا الجيش العاصي له ، المتمرد عليه ، ثم كسر بهم الأعداء ، فليس يبلغ أحد في حسن السياسة وصحة التدبير مبلغه . إنّ سياسته عليه السلام إذا تأملها المنصف متدبراً لها بالإضافة إلى أحواله التي دفع إليها مع أصحابه ، جرت مجرى المعجزات لصعوبة الأمر وتعذره . « 2 » 3 - لم وزارته عليه السلام خير من إمارته ؟ إضافة إلى إمكانية حمل عبارة الإمام عليه السلام « أنا لكم وزيراً ، خير لكم مني أميراً » ، على نوع من التواضع واتمام الحجة ، فإنه يمكن توجيهها بشكل آخر ، وهو أنّ علياً عليه السلام لو أصبح أميراً لكانت معارضته والوقوف بوجهه مدعاة إلى الكفر ، وذلك لأنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قال له كما روي
--> ( 1 ) الكامل لابن أثير 3 / 193 . ( 2 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 7 / 73 .