الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

125

نفحات الولاية

« دَعُوني وَالْتَمِسُوا غَيْري ؛ فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَهُ وُجُوهٌ وأَلْوَانٌ ؛ لَا تَقُومُ لَهُ الْقُلُوبُ ، وَلَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْعُقُولُ . وَإِنَّ الْآفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ ، وَالْمَحَجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَتْ . وَاعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ ، وَلَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وَعَتْبِ الْعَاتِبِ ، وَإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنا كَأَحَدِكُمْ ؛ وَلَعَلَّي أسْمَعُكُمْ وَأَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوهُ أَمْرَكُمْ ، وَأَنَا لَكُمْ وَزِيراً ، خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً ! » . الشرح والتفسير دعوني والتمسوا غيري أورد شرّاح نهج البلاغة أبحاثاً مسهبة بشأن هذه الخطبة ، وقد خاضوا بصورة مفصلة في الإشكالات ذات الصلة بمسألة الإمامة . غير أنّ البعض منهم لم يتعرض لشرح هذه الخطبة واتجه مباشرة للردّ على الإشكالات . ونرى من الضروري أن نخوض في البداية في شرح الخطبة ، ثم نسلط الضوء على بعض الأسئلة والاستفسارات في آخر البحث . فقد ردّ الإمام عليه السلام على أولئك الذين بسطوا إليه يدهم بالبيعة وانهالوا عليه من كل جانب ، ظانين أنّ الإمام عليه السلام سيواصل سياسة التمييز في العطاء من بيت مال المسلمين ، إلى جانب إغداق المناصب والمقامات بالقول : « دعوني والتمسوا غيري » ، ثم أشار عليه السلام إلى الدليل على ذلك بقوله : « فانا مستقبلون أمرا له وجوه وألوان ؛ لا تقوم له القلوب ، ولا تثبت عليه العقول » ، فقد فقدت الأُمّة وحدتها إثر الأفعال الباهتة التي مارسها الخلفاء ولا سيما عثمان ، فكان لكل رأيه ، فأصبح الأعم الأغلب منهم كالصياد الذي يبحث عن صيده ، ليجدوا في البحث عن الأموال والمناصب الدنيوية ، وعليه فانّ القضاء على هذه الفرقة والتشتت وإعادة الامّة إلى سابق عزّها ووحدتها على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وآله كان يبدوا أمراً في غاية الصعوبة والتعقيد