الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
12
نفحات الولاية
فذلك لأنّ الداعي إذا أعد في نفسه شرائط الدعاء إنّما يكون قد وسع دائرة استحقاقه واستعداده ؛ فالدعاء الصحيح يسوق الإنسان إلى التوبة والإنابة وإصلاح الذات وذكر اللَّه ، وكل من هذه المعاني يسهم بقدر في اتساع حجم الاستحقاق . قال ابن أبي الحديد في تفسيره للعبارة : « وليس بما سئل بأجود . . . » فيه معنى لطيف ، وذلك لأنّ هذاالمعنى ممّا يختص بالبشر : « لأنهم يتحركون بالسؤال وتهزهم الطلبات ، فيكونون بما سألهم السائل أجود منهم بما لم يسألهم إياه . وأمّا البارئ سبحانه فانّ جوده ليس على هذا المنهاج ، لأنّ جوده عام في جميع الأحوال » « 1 » . أضف إلى ذلك فانّ الناس وإثر نقصهم وحاجتهم إنّما يشحون في العطاء بما هم إليه أحوج من سائر الأشياء التي لا حاجة لهم فيها ؛ الأمر الذي ليس به من سبيل إلى الذات الإلهية المطلقة المنزهة عن كل نقص وحاجة . ثم انتقل الإمام عليه السلام إلى بيان أربع صفات من صفات الذات فقال : « الأول الذي لم يكن له قبل فيكون شي قبله ، والآخر الذي ليس له بعد فيكون شي بعده » . فالمفروغ منه هو أنّ الأساس في معرفة ذات وصفات اللَّه يكمن في كونه مطلقاً سبحانه لا يعرف القيود والحدود واللامتناهي ، وهو الكمال المطلق والوجود الدائم من جميع الجهات ، فهو كائن ويكون إلى أبد الأبدين . فالأول في عالم الممكنات يقال للشيء بالنسبة لمايليه ، وفي نفس الوقت لما سبقه بعض الأشياء لأنّ البداية والنهاية في الممكنات أمر نسبي ؛ وتنفرد الذات الإلهية المطلقة بعدم وجود شي قبلها ولا بعدها . ومن البديهي على هذا الأساس أنّ أوليته وآخريته لا تعني الأول الزماني ولا الآخر الزماني وذلك لأن الزمان يأتي من حركة الموجودات حيث أن الزمان يمثل مقدار الحركة ؛ فلا يطلق عليه البعدية والقبلية كما يطلق على الزمانيات ؛ وإنّما لم يكن وجوده زمانياً لأنّه لا يقبل الحركة ، والزمان من لواحق الحركة ، وإنّما لم تطلق عليه البعدية والقبلية إذا لم يكن زمانياً ؛ والحركة إمّا نحو الكمال أو النقصان . ونعلم أنّه كمال مطلق لا يشوبه أي نقص . ثم قال عليه السلام في الصفة الثالثة : « والرادع أناسي « 2 » الأبصار عن أن تناله أو تدركه » فلا العين
--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 6 / 400 . ( 2 ) « اناسى » جمع « إنسان » ويطلق على أفراد بني الإنسان كما يطلق هذا اللفظ على بؤبؤ العين ، لانعكاسصورة الأفراد فيها .