الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

8

نفحات الولاية

كبرت ؛ ولو نظرت إلى إخوتك من بني هاشم ، فوصلْت أرحامَهم فوالله ما عندهم اليومَ شيء تخافه ، وإنّ ذلك ممّا يَبْقى لك ذكره وثوابه ؛ فقال : هيهات هيهات ! أيذِكْر أرجو بقاءه ! مَلَك أخو تَيْم فعدَل ، وفعل ما فعل ، فما عدا أن هَلَك حتى هلك ذكُره ؛ إلا أن يقول قائل : أبو بكر ؛ ثم ملك أخو عديّ ، فاجتهد وشمرَّ عشر سنين ؛ فما عدا أن هلك حتى هلَك ذكُره ؛ إلا أن يقول قائل : عمر ؛ وإن ابنَ أبي كبشةَ « 1 » ليُصاح به كلَّ يوم خمس مرات : « أشهد أنّ محمّداً رسول الله » ، فأىّ عملي يبقى ؟ وأيّ ذكر يدوم بعد هذا لا أبا لك ! لا والله إلّادَفْناً دفناً . « 2 » « فقد أثر هذا الكلام حتى في المغيرة بن شعبة المعروف بفساده وانحرافه ، فلم يذهب إلى تكفير معاوية فحسب ، بل رآه من أكفر الناس وأخبثهم » ثم خاض ابن أبيالحديد في أفعال معاوية وحياته الطاغوتية وتصرفاته المجانبة للعدل والمروءة ؛ الأمر الذي يؤكد عمق ما أورده الإمام عليه السلام في الخطبة المذكورة . فقال ابن أبيالحديد : وأما أفعاله المجانبِة للعدالة الظاهرة من لُبْسه الحرير ، وشربه في آنية الذهب والفضة ؛ حتى أنكر عليه ذلك أبو الدَّرْداء ، فقال له : إنّي سمعت رسول الله ص يقول ؛ « إنّ الشّارب فيها ليُجرْجِر في جوفه نار جهنم » ، وقال معاوية : أما أنا فلا أرى بذلك بأساً ، فقال أبو الدرداء : مَنْ عذيري من معاوية ! أنا أخبره عن الرسول صلى الله عليه وآله ؛ وهو يخبرني عن رأيه ! لا أساكنك بأرضٍ أبداً . نقل هذا الخبرَ المحدّثون والفقهاء في كُتبهم في باب الاحتجاج على أنّ خبر الواحد معمول به في الشرع ؛ وهذا الخبر يقدَح في عدالته ، كما يقدح أيضاً في عقيدته ، لأنّ مَنْ قال في مقابلة خَبَرٍ قد روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله : أمّا أنا فلا أرى بأساً فيما حرّمه رسول الله صلى الله عليه وآله ، ليس بصحيح العقيدة ومن المعلوم أيضاً من حالة استئثاره بمال الفيء ، وضربه مَنْ لا حدّ عليه ، وإسقاط الحدّ عمّن يستحقّ إقامةَ الحدّ عليه ، وحكمه برأيه في الرَّعيّة وفي دين الله ، واستلحاقه زيادا ؛ وهو يعلم قول رسول الله صلى الله عليه وآله : « الولَد للفراش وللعاهر ألحجَر » ، وقتله حُجْر بنَ عديّأصحابه ولم

--> ( 1 ) العلامة المجلسي في « بحارالانور » في معرض شرحه لهذا الموضوع ، وهو لماذا كان معاوية بن أبي سفيان‌يدعو الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بابن أبي كبشة ، عند ذكره إياه ، فيقول : إن مشركي العرب كانوا أيضا يدعون الرسول بهذا الاسم ، وذلك لان « ابن أبي كبشة » هو من قبيلة « خزاعة » والتي كانت على اختلاف مع قبيلة قريش ، حول مسألة عبادة الأصنام ، فابن أبي كبشة كان من مخالفي عبادة الأوثان . « بحارالانوار 18 / 213 » . ( 2 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 5 / 129 .