الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
67
نفحات الولاية
رجالٌ من أشراف الأنصار ؛ ومعهم سعد بن عبادة فقام أبو بكر فقال : إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله لما بُعث عظم على العرب أن يتركُوا دينَ آبائهم ، فخالفوه وشاقّوه ، وخصّ الله المهاجرين الأولين من قومِه بتصديقهالإيمان به والمواساة له ، والصَّبْر معه على شِدّة أذى قومه ، ولم يستوحشوا لكثرةَ عَدوّهم ؛ فهمْ أول مَنْ عَبَد الله في الأرض ، وهم أوّلُ مَنْ آمن برسول الله ، وهم أولياؤهعِتْرته ، وأحقّ الناس بالأمر بعده ، لا ينازعهم فيه إلّاظالم ؛ وليس أحدٌ بعد المهاجرين فضلًا وقَدَماً في الإسلام مثلكم ؛ فنحن الأمراء وأنتم الوزراء ، لا نمتاز دونَكم بمشورة ، ولا نقضي دونكم الأمور . فقامَ الحُباب ، وقال : يا معشر الأنصار ، لا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه ، فيذهبوا بنصيبكم من الأمر ، فإن أبوْا عليكم ما أعطيتموهم فأجلُوهم عن بلادكم ، وتولَّوْا هذا الأمر عليهم ، فأنتم أوْلَى الناس بهذا الأمر ، إنّه دانَ لهذا الأمر بأسيافكم مَنْ لم يكن يدين له . أنا جُذَيْلُها المحكَّك ، وعُذَيْقُها المرجَّب ، إن شئتم لنعيدنَّها جَذعة ، والله لا يرّد أحدٌ علىّ ما أقول إلّاحطّمتُ أنفه بالسَّيْف . فقال عمر : هيهات ! لا يجتمع سَيْفان في غِمْد ؛ إنّ العرب لا ترضى أن تؤمِّرَكم ونبيُّها من غيركم . قال : فلما رأى بشير بن سعد الخزرجيّ ما اجتمعت عليه الأنصار من تأمِير سعد بن عبادة - وكان حاسداً له وكان من سادة الخْزرج - قام فقال : أيّها الأنصار ، إنّا وإنْ كُنّا ذوِي سابقة ، فإنّا لم نُرِدْ بجهادنا واسلامنا إلّارضاً رَبِّنا وطاعة نبينا ، ولا ينبغي لنا أن نستطِيل بذلك على الناس ، ولا نبتغِي به عِوَضاً من الدّنيا ، إن محمداً صلى الله عليه وآله رجلٌ من قريش ؛ وقومه أحقُّ بميراثِ أمره ، وايمُ الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر ؛ فاتّقوا اللهَ ولا تنازعوهم ولا تخالفوهم . فقام أبو بكر ، وقال : هذا عمر وأبو عُبيدة ، بايعوا أيَّهما شئتم ؛ فقالا : والله لا نتولّى هذا الأمر عليك . ولما رأت الأوس أنّ رئيساً من رؤساء الخزرج قد بايع ، قام اسَيد بن حُضَير - وهو رئيس الأوس - فبايَع حسداً لسعد أيضاً ، ومنافَسةً له أن يلىَ الأمرَ ، فبايعت الأوس كلّها لمّا بايع