الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

61

نفحات الولاية

تعني المستقيم وهى تستعمل بشأن الطرق المستوية والمستقيمة ، ولما كان المشي سهلًا في مثل هذه الطرق فانّها تطلق على السهل أيضاً . ومن هنا ورد في المثل العربي المعروف « ملكت فاسجح » . فالإمام عليه السلام يرى أنّ الشهادة في سبيل اللَّه ضالة أهل الإيمان ، فيؤكد عليهم عدم الاكتفاء برفض الخشية والخوف من الشهادة ، بل لابدّ من استقبالها بكل رحابة صدر ، فطريقها سهل يسير ولابدّ من ركوبه لمعانقتها . وقد كان الإمام عليه السلام نموذجاً بارزاً لهذا الكلام حتى أقسم قائلًا : « واللّه لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه » « 1 » وهو الذي صرح عندما ضربه ابن ملجم : « فزت وربّ الكعبة » . ثم قال عليه السلام في إشارة إلى مركز تجمع جيش الشام والخيمة التي تربع داخلها معاوية : « وعليكم بهذا السّواد الْأعْظم ، والرّواق الْمطنّب ، فاضْربوا ثبجه » فقد يطمع العدو وتشتد شوكته لو حمل عليه من هنا هناك مع مراعاة الحذر والاحتياط ، وعلى العكس من ذلك لو كانت الحملة مصوبة إلى قلب عسكر العدو لانهارت روحية العدو وتحطمت معنوياته ، فانّ الهجوم على المركز يكشف عن مدى القوة والاقتدار ، ومن هنا إستفاد الإمام عليه السلام هذه القضية النفية ليأمر جيشه بالهجوم على قلب العدو ومركز قيادته . والسواد الأعظم كناية عن التجمع الكبير الذي يبدو أسوداً من بعيد ، والمراد به هنا عسكر الشام . الرواق على وزن كتاب غراب الفسطاط ، وهو هنا إشارة إلى الخيمة الكبيرة المضروبة لمعاوية ، المطنب المشدود بالأطناب جمع طنب بضمتين وهو حبل يشد به سرادق البيت والثبج بالتحريك الوسط وقوله عليه السلام : « فاضربوا ثبجه » تعني الهجوم على قلب جيش الشام وخيمة معاوية . ثم أورد الإمام عليه السلام الدليل على ما قال : « فإنّ الشّيطان كامنٌ في كسره « 2 » وقد قدّم للوثبة « 3 » يداً ، وأخّر للنّكوص « 4 » رجلًا » ، والمراد بالشيطان هنا معاوية حيث جمع الأفكار والأعمال الشيطانية بينما ذهب بعض شرّاح نهج‌البلاغة إلى أنّه أراد بالشيطان عمرو بن العاص ، كما قيل قد يراد به الشيطان الحقيقي « إبليس » الذي كان يتلاعب بمعاوية وعسكره آنذاك . وقد صور الإمام عليه السلام بهذه العبارة روحية معاوية الذي كان يعد نفسه للهجوم من جهة وهو يهم بالنكوص والفرار من جهة

--> ( 1 ) للوقوف بصورة أعمق على هذا الموضوع راجع الخطبة الخامسة من المجلد الأول . ( 2 ) « كسر » على وزن مصر شقه الأسفل ، كناية عن الجوانب التي يفر إليها المنهزمون . ( 3 ) « وثبة » من مادة « وثب » على وزن نصر بمعنى الظفر والنصر ، كما تعني القفز للاستيلاء على الشئ . ( 4 ) « نكوص » بمعنى الانسحاب والتراجع عن القيام بعمل ، وعادة ما تستعمل بشأن التراجع عن اعمال الخير .