الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
48
نفحات الولاية
غني من جميع الجهات ومن هنا كان جامعاً لجميع الكمالات وليس للنقص والحاجة من سبيل إلى ذاته المقدسة . وبناءاً على ما تقدم فانّ أفعاله ليست من قبيل أفعالنا ، ولما كان اللَّه فاعلًا حكيماً ، فانّ أفعاله منزهة من العبث ولابدّ من تحري أهداف أفعاله خارج وجوده وبالنظر إلى عباده . والوصف الذي تضمنته العبارة قد أشار إلى هذا الأمر ، حيث ينفى عن أفعال الحق سبحانه كافة الأهداف التي تستبطن رفع الحاجة وا لنقص . فهدفنا من أغلب أفعالنا هو مضاعفة قدراتنا واستزادة قوتنا ، وأحيانا هدفنا التحسب لبعض المساوئ والعقبات التي قد تلوح في آفاق مستقبلنا ، وقد يكون للهم بالغلبة على من ينشدون ضعفناً أو يهبون لمواجهتنا من نظرائنا ، وقد يكن الوقوف بوجه من ينافسنا من الأفراد الذين يعيشون من حولنا ، وأخيراً فقد نهدف إلى إزالة بعض العقبات التي تعترض طريقنا ، ومن هنا فان كافة أفعالنا إنّما تفرزها طبيعة مثل هذه الأهداف . أما الوصف الذي أورده الإمام عليه السلام بشأن اللَّه سبحانه إنّما يشير إلى أنّ أفعاله لا تستند لأيمن هذه الأهداف . فليس هنالك من ضعف في قدرة اللَّه ولا يخشى من أحداث المستقبل ، وليس له من شبيه أو نظير يسعه منافسته ، وليس له من يطمع فيه من شريك وأخيراً ليس هنالك من موانع أو عقبات تعترض طريقه ، وليس لهذه الأمور من سبيل إلى ذاته ، بل وجودنا الناقص بالذات إنّما يصاب بهذه الأمور . وهنا يبرز هذا السؤال وهو إذا كانت جميع هذه الأمور منتفية على اللَّه سبحانه ، فماهدفه من الخلقة ؟ ورد الرد على هذا السؤال في العبارة اللاحقة من الخطبة « ولكن خلائق مربوبون ، وعبادٌ داخرون » « 1 » نعم فليس هدف اللَّه من الخلق تحقيق نفع ، بل هدفه الجود على العباد ؛ الأمر الذي أكده التعبير « مربوبون » في العبارة الذي يعطي معنى التربية والتكامل ، كما أشير إلى المعنى المذكور أيضاً بقوله « عباد داخرون » ، وذلك لأنّ تكامل الإنسان إنّما يمر عبر عبوديته . وبناءا على هذا فان العباد والمخلوقات ليست شبيهة ومضادة للَّه فقط ، بل هي تستفيض من رحمة اللَّه ولطفه وفضله . ثم قال عليه السلام : « لم يحلل في الأشياء فيقال : هو كائنٌ ، « 2 » ولمْ ينأ « 3 » عنها فيقال : هو منها
--> ( 1 ) « داخرون » من مادة « دخور » على وزن حضور بمعنى الذلة والصغر ، تستعمل في الأمور السلبية كما تستعمل في الأمور الايجابية حينما يوصف عبادالله بصفة « داخر » فيعنى ذلك التسليم والتواضع أمام الحق . ( 2 ) في الكثير من نسخ نهج البلاغة التي تعرض لشرحها الشارحون جاءت هذه الجملة والتي وردت أعلاه بهذه الصورة « فيقال : هو فيها كائن » ولا ريب في أن مفهوم هذه الجملة التي جاءت في هذه النسخة هي أوضح ، وفى النسخة التي دون النص منها ، فان كلمة « فيها » جاءت مقدره . ( 3 ) « ينْأَ » من مادة « نَأْى » على وزن رأى بمعنى ابتعد ، والبعض فسرها بمعنى الابتعاد عن الشيء والاتجاه إلى نقطة بعيدة .