الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
40
نفحات الولاية
الإلهية فلا تعرف المسيرة التدريجية ولا التقدم والتأخر . فقد إستهل عليه السلام الخطبة بالإشارة إلى هذا الأمر « الحمدللّه الّذي لم تسبق له حالٌ حالًا ، فيكون أوّلًا قبل أن يكون آخراً ، ويكون ظاهراً قبل أن يكون باطناً » ومن هنا فليس هنا لك من وجود قبله ولا بعده ، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم : « هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالباطِنُ » ، « 1 » كما قال : « لا إِلهَ إِلّا هُوَ كُلُّ شَيءٍ هالِكٌ إِلّا وَجْهَهُ » « 2 » . فالحق أنّ الوجود الأزلي والأبدي ليس له من أول ولا آخر ، ولا يعني نعته بالأول والآخر سوى أنّ جميع المخلوقات متوقفة في وجودها عليه سواء في بداية ظهورها أو في استمرار حياتها . أمّا وصفه بالظاهر والباطن فيعني أنّ أصل وجوده وصفاته أظهر من كل شئ ، وذلك لأنّ الأدلة على وجوده وصفاته تصل إلى عدد النجوم والكواكب والكائنات الحية وأوراق الأشجار وحصى الصحاري ، بل بعدد ذرات العالم التي يعجز عن علمها وتصورها أحد غيره ؛ ولكن لما كانت الذات الإلهية لامتناهية ولا يسع أحد تصورها كما هي : « لاستحالة إحاطة المحدود باللامحدود » فانّ هذه الذات خفية على جميع الناس بما فيهم الأنبياء والأوصياء والأولياء ، وحيث إنّ الناس يتعرفون بادئ ذي بدء على آثاره في دائرة الوجود ثم يلتفتون إلى ذاته المقدسة فانّه يمكن القول : إنّه ظاهر قبل أن يكون باطن ، وحسب تعبير بعض الفلاسفة المسلمين : « خفاؤه لشدّة ظهوره » . أوليست الشمس التي تمثل إحدى مخلوقاته خفية لشدّة ظهورها ؟ وهل من السهل على الإنسان النظر إلى قرص الشمس . ثم انتقل الإمام عليه السلام إلى المقارنة بين عشر من صفات الكمال والجمال مع شبيهاتها لدى المخلوقات ليثبت عمق الفارق بينها وأنّ حقيقة الكمال مقتصرة على ذاته ، وكل ما سواه رصيده العيب والنقص فقال عليه السلام : « كل مسمى بالوحدة غير قليل » فالعبارة إشارة إلى نقطة مهمّة وظريفة في باب توحيد الصفات والذات ، لأنّ وحدته تفيد كون ذاته وصفاته لامتناهية ، وتعني عدم وجود الند والشبيه ، أمّا الوحدة في المخلوقات فهي وحدة عددية وتطلق في مقابل الكثرة ، وبالطبع فانّ هذه الوحدة تفيد القلة ، بينما تشير وحدته إلى عظم وجوده الذي يتجاوز حدود الزمان والمكان وفى تفس الوقت هو في كل زمان ومكان ، وهذا ما
--> ( 1 ) سورة الحديد / 3 . ( 2 ) سورة القصص / 88 .