الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

34

نفحات الولاية

الذي يطرح نفسه هنا : لماذا وكيف تخدع المال الإنسان فيعيش أفضل ساعات عمره في الوهم والخيال الفارغ ؟ ونقول في الجواب أنّ دائرة الآمال ليست محدودة قط ، فالكثير يعتقد أنّه سينام مطمئن البال من ناحية السكن على الدوام إذا ما حصل على دار متواضعة ، فلا تمر عليه مدّة حتى يراها صغيرة ضيقة ، فإذا انتقل إلى دار أوسع رآها هي الأخرى لا تتناسب وشأنه ، بل هنالك الكثير من الأفراد الذين يمتلكون القصور ولم تظمأ جذوة عطشهم المتقدة دائما فما زالوا يطمحون إلى قصر أفخم وأعظم . وزبدة الكلام فلو أعطي الإنسان جبلين من ذهب لابتغى لهما ثالثاً . وبالطبع لا تقتصر هذه الآمال على مجال دون آخر ، بل هي عامة وشاملة لا تدع صاحبها يستريح ولو لبرهة فتهدر جميع طاقاته وتبدد قواه وتشدها إليه ، والحال ليست هذه الآمال سوى خيالات موهومة كاذبة والتي وصفها الإمام عليه السلام بالخادعة . 3 - تزيين الشيطان من النقاط المهمّة التي أشارت إليها الخطبة تزيين الشيطان للذنوب والمعاصي ، وهذا ما نوه إليه القرآن الكريم في الآية الثالثة والأربعين من سورة الأنعام بشأن الأمم السابقة : « وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ » « 1 » . كما ورد في سورة الحجر على لسان الشيطان حين لعنه اللَّه وطرده من رحمته وتصدى لمعاداة بني آدم وإغوائهم : « لَأُزَيِّنَنَّ لَهُم فِي الأَرضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الُمخْلَصِينَ » « 2 » . ويحصل هذا التزيين الشيطاني الباطل والوسوسة لمقارفة اللذات واضفاء طابع الحلاوة على بعض الخطايا وهنا يبدأ امتحان الإنسان في كيفية التعامل مع هذه الملذات العابرة التي تنتهي لذتها وتبقى تبعتها . وهنا يبرز هذا السؤال وهو أنّ بعض الآيات القرآنية نسبت إلى اللَّه تزيين هذه الأعمال ، فكيف التوفيق بين هذه الآيات وتلك التي ذكرت سابقا ؟ يتضح الجواب على هذا السؤال من الآية الرابعة من سورة النمل التي قالت : « إنّ الّذين لا يؤمنون بالآخرة زيّنّا لهم أعمالهم فهميع مهون » . فالآية تشير إلى أنّ هذا التزيين الإلهي يمثل نوعاً من العقاب لُاولئك الأفراد

--> ( 1 ) سورة الحجر / 39 - 40 . ( 2 ) سورة الحجر / 39 - 40 .