الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
29
نفحات الولاية
لحرىٌّ بسرعة الْأوْبة » « 1 » والمراد بالغائب هنا الأجل ، وكأنّه الناقة السريعة الجادة في الحركة حيث يجدبها الجديدان الليل والنهار وهما بمثابة الراعي الذي يحدوها إلى الحركة ، ومن الطبيعي أن هذه الناقة - الأجل - ستصل بسرعة إلى هذا الإنسان ، أمّا التعبير بالجديدين عن الليل والنهار وذلك لتجددهما على الدوام واستبدال أحدهما بألآخر ، والتعبير بالاوبة التي تعني الرجوع ، واستنادا إلى القرآن الكريم والأدلة الحسية واليقينية في أن الإنسان كان في البداية مادة خالية من الحياة ، ثم دبت فيه هذه الحياة ، وأخيراً سيعود إلى ما كان حين الموت ، ثم يبعث وتدب فيه الحياة من جديد باذن اللَّه : « كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَكُنْتُمْ أمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » « 2 » وقد ورد هذا المعنى في قصار حكم نهجالبلاغة « إذا كنت في إدبارٍ والموت في إقبالٍ فما أسرع الملتقى » « 3 » . هذا وقد فسر بعض شرّاح نهجالبلاغة الغائب في العبارة بالإنسان لأنّه غاب عن وطنه ومنزله الأصلي الآخرة والتي يجب عليه الرجوع إليها ، والليل والنهار يسوقانه سريعاً إلى ذلك المنزل . ويبدو أنّ هذا التفسير ينسجم والقول : « إِنّا لِلَّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ » « 4 » وما ورد في وصية أمير المؤمنين عليه السلام لولده الحسن : « واعلم يا بنيّ أنّ من كانت مطيّته اللّيل والنّهار ، فإنّه يساربه وإن كان واقفاً ، ويقطع المسافة وإن كان مقيماً وادعاً » « 5 » . الّا أنّ الذي يبعد هذا التفسير هو عدم خلوه من التكلف في تفسير الغائب بالإنسان ، أمّا تفسيره بالأجل يبدوا أقرب وأنسب ثم قال عليه السلام :
--> ( 1 ) أوبة له معنى مصدري واياب بمعنى الرجوع والإنابة . ( 2 ) سورة البقرة / 28 . ( 3 ) نهجالبلاغة ، الكلمات القصار ، الكلمة 28 . ( 4 ) سورة البقرة / 156 . ( 5 ) نهجالبلاغة ، الرسالة 31 .