الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
96
نفحات الولاية
يبدأ عده العكسي في الموت والفناء . فالنبات يواجه عدة آفات يسعى للتغلب عليها من أجل البقاء حياً ، وجذور الأشجار هي الأخرى تغوص في أعماق الأرض من أجل امتصاص الماء والأملاح فإذا ما اعترضت بعض الموانع كالصخور سعت لاختراقها ومواصلة تغلغلها في أعماق التربة وإن عجزت عن ذلك فتشت عن طريق آخر واستمرت في مسيرتها . وهكذا الحال بالنسبة للحشرات والحيوانات التي تواجه الأخطار التي تهدد كيانها باستمرار فتبدي مقاومتها من أجل مواصلة حياتها . فهناك بعض الطيور التي تهاجر إلى مسافات شاسعة قد تنطلق من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي مقاومة كافة الظروف المحيطة بغية مواصلة حياتها . أمّا الإنسان فيعيش حركة جهادية مريرة على مستوى أعضائه الداخلية ودورته الدموية ، فالجنود التي تدافع عن البدن - والتي يصطلح عليها بكريات الدم البيض - طيلة عمر الإنسان إنّما تتصدى ببسالة لكافة الأعداء المتمثلين بالمكروبات والفايروسات التي تحاول اختراق بدن الإنسان عن طريق الماء والغذاء والهواء والشقوق التي تحدث في الجلد . وقد الهمت هذه الكريات سبل الصمود بوجه كافة الأسلحة الكيميائية والفيزيائية بحيث تبيدها وتبقي على البدن سالماً صحيحاً . فإذا ضعفت هذه الجنود لأيسبب من الأسباب وتقاعست في وظيفتها هجمت جميع الأمراض على الإنسان ، وما المرض الخطير الذي يطلق عليه « الايدز » إلّانتيجة طبيعية لاختلال عمل هذه الكريات وتوقفها عن العمل ، ومن هنا فانّ المصابين بهذا المرض الخطير إنّما يكونون عرضة للإصابة بأخطر الأمراض . وزبدة الكلام فان الجهاد رمز الحياة وسر السعادة والسبب الرئيسي للنصر والغلبة وعامل الرفعة والعزة ، لكن ليس ذلك سوى الجهاد من أجل تحقيق الحق والعدل وإلّا فليس ذلك سوى الجريمة والظلم والعدوان . ومن هنا تظافرت الآيات القرآنية والروايات الإسلامية بما فيها الخطبة المذكورة التي أكدت على قضية الجهاد بما لم تول مثل هذه الأهمية لغيره من المفاهيم ، ولا سيما الجهاد بالمعنى الأشمل الذي يتضمن الوقوف بوجه العدو الخارجي والداخلي . فقد جاء في الحديث الشريف عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أنّه قال : « من ترك الجهاد ألبسه اللَّه ذلًا في نفسه وفقراً في معيشته