الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

72

نفحات الولاية

والتهديد بالعذاب غالباً ما يكون الدافع لحركة الامّة نحو القيام بوظائفها والتحفظ عن تركها كان التأكيد أكثر على مسألة الانذار ، ومن هنا ورد التأكيد في أغلب الآيات القرآنية على الانذار بشأن رسالة النبي صلى الله عليه وآله وسائر الأنبياء ، ولم تطالعنا أي من الآيات التي اقتصرت على البشارة . وهذا هو الأسلوب الذي اعتمدته القوانين المعاصرة ، حيث ركزت على جانب العقوبة بصفتها الضمانة الإجرائية الناجحة ، ونادراً ما يعتمد الحث والتشجيع من أجل تحقيق الغرض المذكور . بصورة عامة فانّ الهدف النهائي للانذار هو إثارة الشعور بالمسؤولية تجاه الوظائف والتكاليف الملقاة على عاتق الإنسان . وهنا لا ينبغي أن ننسى بأن انذار النبي صلى الله عليه وآله يشمل كافة الكائنات ؛ الأمر الذي يدل على عالمية الدين الإسلامي وخلوده ، لأنّ للعالمين مفهوم واسع يشمل كافة أفراد البشرية في كل عصر ومصر . قوله عليه السلام : « أميناً على التنزيل » تلويح ضمني بعصمة رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، فهو صائن لكتاب اللَّه ومبلغه للعالم دون أدنى تغيير . ثم تطرق عليه السلام لأوضاع العرب زمان الجاهلية في عشرة عبارات مقتضبة عظيمة المعاني تشير إلى أربعة محاور ، فقال : « وأنتم معشر العرب على شر دين » وأي دين أسوأ من الوثنية ؟ أن ينحت عاقل قطعة من الحجر أو الخشب بيده ثم يسجد لها ويعبدها ويرى مقدراته بيدها ويلوذ بها في حل المشاكل التي تواجهه في حياته ، أو أن يصنع صنماً من التمر يتخذه إلهاً فإذا جاع أكله . أضف إلى ذلك الانحراف الخطير فان طقوس هؤلاء القوم مملوءة بالخرافات والعقائد السخيفة البعيدة عن المنطق والتي سطرتها كتب تأريخ العرب في العصر الجاهلي ، وسنعرض لجانب منها لاحقاً . هذا على مستوى العقائد والأفكار . ثم تطرق عليه السلام إلى أوضاعهم الاقتصادية المزرية فقال عليه السلام : « وفي شر دار منيخون » « 1 » بين حجارة خشن وحيات صم ، تشربون الكدروتأكلون الجشب » . « 2 » تعبيره عليه السلام « شر دار » بالنسبة لمحل إقامة عرب الجاهلية ، رغم أن أغلبهم ( ولا سيما من

--> ( 1 ) « منيخون » من مادة « نوخ » بمعنى تنويم الجمل ، ومن البديهي أن يكون موضع استراحة الأفراد هو ذلك‌الموضع الذي ينومون فيه الجمال بين حجارة خشن . ( 2 ) « الجشب » على وزن « خشن » بمعنى الطعام الغليظ أو ما يكون منه بغير أدم .