الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
419
نفحات الولاية
« أَصابَكُمْ حاصِبٌ ، وَلا بَقِيَ مِنْكُمْ آثِرٌ ، أَبَعْدَ إِيمانِي بِاللَّهِ وَجِهادِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله أَشْهَدُ عَلَى نَفْسِي بِالْكُفْرِ ! لَقَدْ « ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنا مِنَ الْمُهْتَدِينَ » فَأُوبُوا شَرَّ مَآبٍ وَارْجِعُوا عَلَى أَثَرِ الْأَعْقَابِ ، أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلًّا شامِلًا وَسَيْفاً قاطِعاً وَأَثَرَةً يَتَّخِذُها الظَّالِمُونَ فِيكُمْ سُنَّةً » . الشرح والتفسير فضاعة مظلومية الإمام عليه السلام كما ذكرنا أنّ الإمام عليه السلام خطب هذه الخطبة حين رأى الخوارج التحكيم في صفين ثم رجعوا عنه ورفعوا شعار « لا حكم إلّاللَّه » وطالبوا الإمام عليه السلام بالتوبة لقبوله التحكيم ليلتحقوا به فيقاتلوا أهل الشام ، فقال عليه السلام : « أصابكم حاصب ، ولابقي منكم آثر ، أبعد إيماني باللَّه وجهادي مع رسولاللَّه صلى الله عليه وآله أشهد على نفسي بالكفر ، لقد « ظللت إذا وما أنا من المهتدين » . يا لها من مصيبة أن يبتلى بهؤلاء الحمقى فرد مثل علي عليه السلام أول من آمن باللَّه ورسوله صلى الله عليه وآله ووقف إلى جانبه في جميع الغزوات - ألا في البعض التي استخلفه فيها رسولاللَّه صلى الله عليه وآله - وثبت في المواقع التي تنكص فيها الابطال ليسقي شجرة الإسلام والتوحيد بلسانه وسيفه ، فيطالبه أولئك الحمقى بالاعتراف بالكفر والتوبة . ولعل تأريخ الإسلام لم يشهد مثل هذه الحادثة المروعة ، ومن هنا نقول بأنّ مظلومية الإمام عليه السلام كانت وما زالت تفوق من سواه . وكما صرح عليه السلام في الخطبة السابقة : « فانّي ولدت على الفطرة وسبقت إلى الإيمان والهجرة » ؛ الأمر الذي أكده علماء الفريقين وأنه لم يشرك باللَّه طرفة عين أبداً أنّه خاض غمار الجهاد مع رسولاللَّه صلى الله عليه وآله في كافة الغزوات سوى تبوك حين كلفه النبي صلى الله عليه وآله بحفظ المدينة ، العبارة « أصابكم حاصب » وبالالتفات إلى أنّ المراد بالحاصب الريح الشديدة التي تثير الحصباء بحيث قد تدفن أحياناً قافلة ، تفيد الدعاء عليهم في أن يرسل اللَّه عليهم العذاب السماوي ، كما يمكن