الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

38

نفحات الولاية

عليه « وهم أعظم الناس حيطة « 1 » من ورائه وألمّهم « 2 » لشعثه « 3 » وأعطفهم عليه عند نازلة إذا نزلت به » . نعم فالحياة مليئة بالمخاطر والمطبات والعواصف الهوجاء والأحداث المريرة التي لا يسع الإنسان التغلب عليها بمفرده ، ومن هنا فإنّ العقل والحكمة تتطلب من الإنسان التفكير في مثل هذه الأحداث . وما أروع أن تكون لهذا الإنسان قرابة تهب لدعمه وحمايته في مثل هذه الظروف . ولكن ، هل يمكن الحصول على دعم القرابة ومساندتها دون الإحسان إليها وتفقد أمورها وإحاطتها بالحب والرعاية وإغاثتها مالياً ومعنوياً ؟ قطعاً ، لا . فما أحرى كل إنسان أن يوطد أواصر مودّته لقرابته من خلال بعض البذل المادي حتّى لا يبقى وحده حين تعصف به الأحداث والمصائب . طبعاً الإحسان إلى الآخرين ممّا ورد الندب إليه ولا تخفى آثاره « الإنسان عبيد الإحسان » إلّاأنّ الأولوية في هذا الأمر للقرابة « الأقربون أولى بالمعروف » حيث تمهد الأجواء أمام تعميق أواصر الإخاء والمحبّة . وبغضّ النظر عما سبق فإنّ هذا الأمر لو طبق في المجتمع كما ينبغي فقد لا تبقي هنالك من آثار للفقر والحرمان في المجتمع ، كيف لا وفي كلّ قبيلة عدد من الأفراد المتمكنين الذين لو مدّوا يد العون إلى سائر أفراد قبيلتهم لما ظل هنالك من يعاني من الحرمان . وقد أوصى الإمام عليه السلام ولده الإمام الحسن عليه السلام بهذا الأمر مبيّناً فوائد إكرام العشيرة ومعالجة مشاكلهم إذ قال عليه السلام : « وأكرم عشيرتك ! فإنّهم جناحك الذي به تطير وأصلك الذي إليه تصير ويدك التي بها تصول » « 4 » . ثم يتطرق الإمام عليه السلام إلى دليل الآخر في إطار حثه الأفراد المتمكنين على مساعدة قرابتهم فيقول : « ولسان الصدق يجعله اللَّه للمرء في الناس خير له من المال يرثه غيره » . . وقد ورد في هذا المعنى من النثر والنظم الكثير الواسع ، فمن ذلك قول عمر لابنة هرم : ما الذي أعطى أبوك زهيراً ؟ قالت : أعطاه مالًا يفنى ، وثياباً تبلى . قال : لكن ما أعطاكم زهير لا يبليه الدهر ، ولا يفنيه الزمان . إذا أتت أعطيت الغنى ثم لم تجد * بفضل الغنى ألفيت مالك حامد

--> ( 1 ) « حيطة » اسم مصدر من مادة « حوط » بمعنى الإحاطة ، وهى هنا بمعنى الرعاية والكلاءة . وقال البعض‌الحيطة بفتح الحاء بمعنى المراقبة وبكسرها بمعنى الحفظ . ( 2 ) « ألم » من مادة « لمم » بمعنى الجمع والاصلاح . ( 3 ) شعث بالتحريك بمعنى التفرق والانتشار . ( 4 ) نهج البلاغة ، آخر الرسالة رقم 3 .