الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

353

نفحات الولاية

وجوده ظاهر وكنه ذاته خفي لقد تضمنت الخطبة بعض الإشارات إلى عدّة جوانب في مجال أسماء اللَّه وصفاته : الأولى خفاء وكنه ذات اللَّه في نفس ظهور وجوده في جميع عالم الوجود بحيث لا يستطيع أحد أن ينكر وجوده ، بينما لا يستطيع أيضاً الإحاطة بكنه ذاته المطهرة . وهذا في الواقع أحد الآثار اللامتناهية لوجوده المطلق ، حيث كلما خطونا خطوة نحو معرفة ذاته تقهقرنا خطوات عن درك كنه هذه الذات ، وكلما حلقنا في سماء معرفة صفاته احترقت أجنحتنا وسقطنا في عالم الجهل وعلى قول ابن أبيالحديد في شعره : فيك يا أعجوبة الكون * غدا الفكر كليلا أنت حيرت ذوي اللب * وبلبلت العقولا كلما قدم فكري فيك * شبراً فر ميلا ناكصاً يخبط في * عمياء لا يهدى سبيلا « 1 » وبالمقابل فانّ آثاره قد تجلت في كافة دقائق عالم الوجود ، بحيث لا يسع من يلمس هذه الآثار أينما حلّ إلّاأنّ يزمزم مع نفسه بدعاء الإمام الحسين عليه السلام في عرفة « متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك ، أو يكون لغيرك من الوجود ما ليس لك ، عميت عين لا تراك عليها رقيباً وخسرت صفقة عبد لم تجعل لها من حبك نصيباً » . والثانية الحديث عن قرب اللَّه وبعده إلى جانب قربه وبعده منا ، وأنّه أبعد ما يكون عنا في غاية قربه ، وأقرب ما يكون في غاية بعده ، وهذا الأمر هو الآخر من آثار ذاته المطلقة اللامتناهية ، وذلك لأن مثل هذه الذات في كل مكان ولا يخلو منها مكان ، وإلّا كانت محدودة . والثالثة نفي صفات المخلوقات والشبه عن ذاته المقدسة ، وهذا أيضاً من آثار الذات اللامتناهية ، لأنّ جميع المخلوقات محدودة ناقصة ، وجودها متناهي وصفاتها مشوبة بالنقص والعدم ، فإذا شبهناه بأحد مخلوقاته وقلنا بالشريك والشبيه وتصورنا له صفات المخلوقين نكون قد أخرجناه من حالة اللاتناهي وكونه واجب الوجود وجعلناه في عداد الممكنات المحدودة وسنتعرض إلى هذه الأمور في الخطب القادمة إن شاء اللَّه .

--> ( 1 ) وردت هذه الأشعار في حواشي « شرح الباب الحادي عشر » في الصفحة الأولى من قول ابن أبي الحديد .