الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
34
نفحات الولاية
وشرك معه آخر وكله اللَّه إلى ذلك الآخر وقال له خذ أجرك منه فانّك لم تعمل لي « واعملوا في غير رياء ولا سمعة ، فإنَّه من يعمل لغير اللَّه يكله اللَّه لمن عمل له » . نعم خشية اللَّه وخشية مقارفة الذنوب والمعاصي لا تكفي لوحدها ، بل لابدّ من الإتيان بالأعمال الصالحة البعيدة عن كافة أشكال الرياء والسمعة ، والرياء يعني مراءاة الآخرين ولفت أنظارهم لما يقوم به الإنسان من أعمال ، والسمعة أن يقوم بالعمل للَّه ، إلّاأنّه يسعى لإسماعه الآخرين ، بحيث يجلب انتباههم إليه ، وإلّا يفعل ذلك يسر لسماع الآخرين فيثنون عليه ويطرونه . والمعروف بين العلماء أنّ السمعة لا تبطل العمل ، إلّاأنّها مذمومة خلقاً ومدعاة لانحطاط الإنسان الروحي والمعنوي ، ولعلّها تؤدّي إلى زوال الأجر والثواب . وقد استدل الإمام عليه السلام في تحذيره من السمعة والرياء بأنّ اللَّه سبحانه لا يقبل إلّاالعمل الخالص لوجهه فإنّ شرك العبد معه أحد آخر وكله اللَّه إليه ليأخذ منه أجره ، وبالطبع فإنّه لا يملك القدرة على إعطاءه الأجر والثواب . والعبارة هي مضمون حديث قدسي معروف نقل عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أنّ الحق سبحانه قال : « أنا خير شريك ومن أشرك معي شريكاً في عمله ، فهو لشريكي دوني ، لأني لا أقبل إلّاما خلص لي » « 1 » . ثم اختتم الإمام عليه السلام كلامه قائلًا : « نسأل اللَّه منازل الشهداء ومعايشة السعداء ومرافقة الأنبياء » . حيث يهدف الإمام عليه السلام إلى تعريف الأُمّة بالقيم الإلهية الحقّة من قبيل الشهادة ومرافقة الأنبياء وهى الأمور التي لا تنال بسهولة كما لا تمنح للإنسان بالمجان « ومن يطع اللَّه وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَاولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً * ذ لِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً » « 2 » . فالمراحل الثلاث - الشهادة والسعادة ورفقة الأنبياء - التي وردت في كلام الإمام عليه السلام يمكن أن تكون من قبيل العلّة والمعلول ، فالشهادة سبب السعادة ، والسعادة سبب مرافقة الأنبياء . كما يمكن أن يكون الكلام إشارة لطيفة إلى حوادث المستقبل وشهادة الإمام عليه السلام .
--> ( 1 ) منهاج البراعة 3 / 324 كما ورد هذا المضمون عن الإمام الصادق عليه السلام في بحار الأنوار 67 / 243 . ( 2 ) سورة النساء / 69 - 70 .