الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
29
نفحات الولاية
وبناءً على ما تقدّم فإنّ هناك أحد مصيرين رفيعين بانتظار الفرد الذي يعيش النقاء والعفّة في حياته ، أنْ يقضى حياته معززاً مكرماً ليحث السير نحو رحمة اللَّه ومغفرته وأجره وثوابه . أو أن يفيض اللَّه عليه من نعم الدنيا في هذه الحياة الدنيا ويجمع له خير الدارين . القضية المهمّة التي حظيت باهتمام شرّاح نهج البلاغة هي أنّ الإمام علي عليه السلام شبّه المؤمن الذي يتمتع بالغلبة والسعادة والفوز بلطف اللَّه ورحمته المقامر الماهر الذي يفوز بالتضارب بالقداح ، وهنا يطرح هذا السؤال نفسه : كيف يشبه الإمام عليه السلام المؤمنين الذين يعيشون الرضى والتسليم تجاه رزق اللَّه وقسمه بهذا الفرد المقامر الأثيم المقارف لهذه الكبيرة من الكبائر ؟ يتّضح من التأمّل في عبارات الإمام عليه السلام من قبيل « فوزة » و « قداح » و « مغنم » و « مغرم » أنّ الياسر ليس المراد به القمار ، بل أراد به نوعاً خاصاً من الاقتراع كانت تمارسه العرب ، حيث كانوا يأتون بعشرة سهام لكل واحد منها اسم ، ويشترون جملًا فيذبحوه ويقسّموه عشرة أقسام ، ثم يجعلون السهام مع بعضها ليقوم من يثقون به باستخراجها واحداً واحداً ، ثم يكون الفائز على أساس ترتيب السهام حسب أسمائها الأول والثاني إلى السابع والسهم الأول فيها يسمى « مُعَلّى » - والسهام الأخرى إذا خرجت باسم أحدهم فهو الذي يدفع قيمة الجمل ، أمّا الفائزون فيعطون سهامهم للفقراء دون أن يأكلوا منها شيئاً ، وكانوا يفتخرون بذلك العمل . « 1 » طبعاً لا يجوز هذا العمل شرعياً ، إلّاأنّه لا يشتمل على معايب وفواجع القمار . فالإمام عليه السلام أراد أن المؤمنين من أهل الرضى والتسليم يشبهون الأفراد الذين يفوزون بسهم المُعلّى في ذلك الاقتراع ، ووجه الشبه أنّه يفوز بأكبر نصيب دون أدنى عناء . والتعبير بالقداح وأول فوزة والغنيمة والنجاة من الخسارة كلّها تناسب هذا المعنى ؛ وهذا ليس متعارفاً في القمار حيث لا يترك المقامر المقامرة لمجرد غلبه في الوهلة الأولى ، بل يواصل قماره حتّى لا تعرف النتيجة التي سيؤول إليها . وبالطبع فإنّنا لا ننكر أنّ المفردة مفهوم واسع يشمل الاقتراع وألعاب الحظ ، ولكن لابدّ من الالتفات إلى أنّ القمار بمعناه الحقيقي يختلف تماماً عن ذلك النوع من الاقتراع ، ولا سيما أنّ القرآن قد عبر ب « الألزلام » لا الميسر وإنْ ورد الذم عليهما معاً « إِنَّما الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنْصابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ . . . » . « 2 »
--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة ، المحقق الخوئي ، 3 / 319 ( بتلخيص ) . وقد وردت إشارة مختصرة إلى هذا المطلب في كتاب معارج نهج البلاغة وهو من أقدم شروح هذا الكتاب ، معارج نهج البلاغة ، ص 110 . ( 2 ) سورة المائدة / 90 .