الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
282
نفحات الولاية
خطأ ابن أبي الحديد قال ابن أبي الحديد في تعليقه على هذه الخطبة : هذا نص صريح منه عليه السلام بانّ الإمامة واجبة وقد اختلف الناس في هذه المسألة فقال المتكلّمون : كلمة الإمامة واجبة ؛ إلّاما يحكَى عن أبي بكر الأصَمّ من قدماء أصحابنا أنّها غيرُ واجبة ؛ إذا تناصفت الأمّة ؛ ولم تتظالم . وقال المتأخّرون من أصحابنا : إنّ هذا القول منه غيرُ مخالف لما عليه الأمّة ؛ لأنه إذا كان لا يجوز في العادة أن تستقيم أمورُ الناس من دون رئيس يحكم بينهم ؛ فقد قال بوجود الرئاسة على كلّ حال ؛ اللّهم إلّاأن يقول : إنّه يجوز أن تَستَقيم أمورُ الناس من دون رئيس ؛ وهذا بعيد أن يقوله : فأما طريق وجوب الإمامة ما هي ؟ فإن مشايخَنا البصرييّن رحمهم اللَّه يقولون طريق وجوبها الشرع ، وليس في العقل ما يدلّ على وجوبها . وقال البغداديون وأبو عثمان الجاحظ من البصريين ، وشيخنا أبو الحسين رحمه اللَّه تعالى : إنّ العقلَ يدلّ على وجوب الرياسة ؛ وهو قول الإمامية ، إلّاأنّ الوجه الذي منه يوجب أصحابنا الرئاسة غير الوجه الذي توجب الإمامية منه الرئاسة ، وذاك أنّ أصحابنا يوجبون الرئاسة عَلَى المكلّفين ، من حيث كان في الرياسة مصالح دنيوية ، ودفع مضارّ دنيوية . والإمامية يُوجبون الرئاسة عَلَى اللَّه تعالى ، من حيث كان في الرئاسة لُطْف وبعدٌ للمكلّفين عن مواقعة القبائح العقلية . والظاهر من كلام أمير المؤمنين عليهالسلام يطابِق ما يقوله أصحابنا ، ألَا تراه كيف علّل قوله : « لا بدَّ للناس من أمير » ، فقال في تعليله : يُجَمع به الفىء ، ويقاتَل به العدوّ وتؤمَن به السُّبل ، ويؤخذ للضعيف من القوىّ ! وهذه كلّها من مصالح الدنيا . فإنْ قيل : ذكرتم أنّ الناس كافّة قالوا بوجوب الإمام ، فكيفَ بقول أمير المؤمنين عليهالسلام عن الخوارج إنّهم يقولون : « لا إمرة » . قيل : إنّهم كانوا في بدء أمرهم يقولون ذلك ، ويذهبون إلى أنّه لا حاجةَ إلى الإمام ، ثم رجعوا عن ذلك القول لما أمّروا عليهم عبدَاللَّهبن وهب الرّاسبيّ . ويبدو أن خطأ ابن ابيلاحديد نابع من حصره الوظائف السبع التي ذكرها أمير المؤمنين عليه السلام كهدف للحكومة بالمصالح المادية ، والحال أنّ العبارة « يعمل في إمرته الؤمن »