الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
261
نفحات الولاية
كلام الإمام عليه السلام من أكثر من خطبة . ولعلنا نستطيع تصور رابطة بين الفصلين من الخطبة وذلك أنّ الأفراد قد يستسلمون للشبهات خوفاً من الموت ، فإشار عليه السلام إلى أنّ خوف الموت لا ينجي من الموت أبداً . على كل حال فان هذا الفصل من الخطبة يشتمل على عبارتين تعالج كل منها قضية الموت . فقد قال عليه السلام « فما ينجو من الموت من خافه » ، بل إنّ هذا الخوف قد يكون من العناصر المقربة للموت . فالموت هو القلادة التي خطت على جيد ابن آدم وسائر الكائنات الحية والقانون الذي لا يعرف الشواذ والاستثناء ، فليس هنا لك من خلود سوى للَّه سبحانه . فجميع الكائنات محدودة وأنّها ستنتهي لا محالة وتؤول إلى الفناء . وليس من بقاء سوى للذات الإلهية المقدسة ، وعليه فخوف الموت لن يغير من حقيقته شيئاً ، كما أن السعي من أجل البقاء والحياة الخالدة لن يكلل بالنجاح أبداً . ومن هنا قال الإمام عليه السلام في العبارة الثانية « ولا يعطى البقاء من أحبه » . قد تطول مدة الحياة أو تقصر إلّاأنّها سائرة للزوال في خاتمة المطاف ومن الوهم الساذج والباطل التفكير بالبقاء والخلود . فقد صرح القرآن الكريم « كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ » وقال « كُلُّ شَيءٍ هالِكٌ إِلّا وَجْهَهُ » . والعبرة هنا في أن يستعد الإنسان للموت ويتزود له ، فالموت لا يعني الفناء المطلق بقدر ما يعني الانتقال من دار صغيرة محدودة إلى أخرى كبيرة واسعة تشتمل على مختلف النعم واللذائذ ، وإذا أصلحنا عملنا فليس هنالك ما يدعو إلى الخوف من الموت .