الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
245
نفحات الولاية
كما يحتمل أن يكون المراد بالقيام بالأمر والجمل اللاحقة الدفاع عن الإسلام على عهد الخلفاء ، لانّ أغلب المؤرخين المسلمين يقرون بان علياً عليه السلام كان المفزع في حل المشاكل والمعضلات التي تواجه المسلمين . فقد وردت العبارة المعروفة عن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب « اللّهم لا تبقني لمعضلة ليس لها أبو الحسن » « 1 » . أو ما تناقلته كتب الفريقين والتي تؤكد هذا المعنى ، حتى صرح بعض أرباب اللغة أنّ العبارة « مشكلة ليس لها أبو الحسن » أصبحت مثلًا لدى العرب . وهنالك احتمال ثالث في أن يكون المراد قيامه عليه السلام بأمر الخلافة بعد انهيار حكومة عثمان وإثر تلك العواصف التي عصفت بالمسلمين بعد مقتل الخليفة الثالث ، فقد تصدعت آنذاك عرى المجتمع الإسلامي ، وقد تأهبت عناصر النفاق ومن تبقي من أسلاف الجاهلية ومشركي العرب ، فلم يكن للُامّة من أمل سوى علي عليه السلام ، أجل لقد نهض الإمام عليه السلام بالامر في ظل تلك الظروف وحفظ وحدة المسلمين . أما قوله « كنت أخفضهم صوتاً » فلعله إشارة إلى تواضع الإمام عليه السلام إلى جانب كل تلك الانتصارات والنجاحات ، أو إشارة إلى أن الإمام عليه السلام لم يكن من أهل التظاهر وإثارة الصخب والضوضاء فهذه معاني الأفراد الضعفاء العجزة . ومن هنا أردفها بقوله « وأعلاهم فوتا » التي تعني السبق على الآخرين ، السبق في الإيمان والهجرة ، والسبق بالجهاد والقتال ، وأخيرا السبق في كافة الفضائل الأخلاقية . وقوله عليه السلام « فطرت بعنانها واستبددت برهانها » هو الآخر تأكيد لهذا الأمر ، ولا سيما أن فاء التفريع وردت في البداية كنتيجة للبرامج السابقة ، أي أنّي ركبت مركب النصر وسبقت الآخرين ، وذلك لانّي لم أشعر بالضعف طرفة عين ولم أهب الحوادث المرعية وأفقد الفرص المواتية ، ومع ذلك لم أثير أية ضجة أو صخب وضوضاء . ثم يشبه نفسه عليه السلام بالجبل العظيم الذي لا تحركه القواصف ولا تزيله العواصف . والطريف في الأمر أن الإمام عليه السلام ذكر القواصف ثم أردفها بالعواصف ، وذلك لان القواصف تعني الرياح
--> ( 1 ) ورد هذا الحديث بعدة تعبيرات في أغلب مصادر العامة ، ومن أراد الوقوف على المزيد فليراجع الغدير 3 / 97 .