الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

233

نفحات الولاية

وهل سعرّ الأرض علينا إلا الأشتر . ثم اضطر الإمام عليه السلام لقبول أبو موسى . فاتفق معه عمرو بن العاص على أن يخلع كل صاحبه ويدعون الناس للشورى . فتقدم أبو موسى ثم قال : أيها الناس أجمع رأيي ورأي صاحبي على خلع عليّ ومعاوية ويكون الأمر شورى بين المسلمين . فقام عمرو بن العاص وقال : إن هذا قد قال ما سمعتم وخلع صاحبه ، وأنا أخلعه كما خلعه ، وأثبت صاحبي معاوية في الخلافة ، فإنه ولي عثمان والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه . « 1 » 2 - الاستفادة من آراء الآخرين لاشك أنّ الشورى تشكل أحد أسس التعاليم الإسلامية التي حظت بأهمية فائقة في الآيات القرآنية والروايات والأخبار . فالقرآن يرى أنّ المشورة من علامات الإيمان ، ويجعلها في مصاف الصلاة والزكاة - التي تعد من أركان الإسلام - « والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأُمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ » . « 2 » كما أمر الله سبحانه صراحة باستشارة المؤمنين في الأمور المهمة ، رغم إتّصال رسول الله صلى الله عليه وآله بالوحي وكونه العقل الكامل « وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ » « 3 » والمهم في قضية المشورة انتخاب المستشار الذي يتحلى ببعض خصائص الصفات التي وردت في الخطبة التي نحن بصددها : « الناصح الشفيق العالم المجرب » ، والحق أنّ مخالفة الفرد الذي يتصف بهذه الصفات لا تفضي سوى إلى الحسرة والندامة . صحيح أنّ المتعصبين في صفين لم يستشيروا الإمام عليه السلام إلّاأنّ الإمام عليه السلام أبدى رأيه الذي يمثل رأي الناصح الشقيق والعالم المجرب ، إلّاأنّهم وللِاسف الشديد لم يستجيبوا لرأى الإمام عليه السلام وهبوا لمجابهته وهددوه بالقتل ، فلم تتمخض النتيجة سوى عن ندمهم التاريخي الذي جر الويلات على العالم الإسلامي .

--> ( 1 ) اقتباس وتلخيص لما ورد في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2 / 206 - 256 . ( 2 ) سورة الشورى / 38 ( 3 ) سورة آل عمران / 159 .