الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
230
نفحات الولاية
القلب لمن يطلب الاستشارة . الثالثة العلم والوقوف على كافة جوانب الأمر وتحليل جميع الملابسات ودراسة الحوادث والنتائج المتمخضة عنها الرابعة التجربة الكافية في القضايا الفردية والاجتماعية المهمة ؛ أي التحلي بالعقل العملي إلى جانب العقل النظري فإذا كان هنالك مثل هذا الفرد يتمتع بمثل هذه الصفات فانّه يبلغ بالإنسان واقع الأمر لا محالة ، كما أنّ مخالفته لاتقود سوى إلى الحيرة والضلال والندم والخسران الذي يفرزه الجهل والغرور . وما إنّ يفرغ الإمام عليه السلام من بيان الكبرى ( القاعدة الكلية ) حتى يتطرق إلى الصغرى والمصداق المطلوب فيقول « وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة أمري ، ونخلت « 1 » لكم مخزون رأيي ، لو كان يطاع لقصير أمرا ! » فقد كشف الإمام عليه السلام عن مخالفته لأصل التحكيم فضلا عن كيفيته والطريقة التي تم فيها . ولقد أخيرهم عن آثار هذه القضية المشؤومة ، إلّاأنّ تعصبهم ولجاجتهم حالت دون سماعهم لرأى الإمام عليه السلام فاصروا على باطلهم والآن يجنون ثمار جهلهم والعبارة « لو كان يطاع لقصير أمر » مثل مشهور عند العرب ، فهو قصير صاحب جذيمة ، وحديثه مع جذيمة ومع الزياء مشهور فضرب المثل لكل ناصح يعصى بقصير ، ويطلق على الأفراد الذين لايصغون إلى الناصح المجرب الشفيق والذي لا يعقب سوى الندم . فالإمام عليه السلام يشبه نفسه بقصير وأهل الكوفة بجزيمة الجاهل ومستشاريه البلهاء ، حتى وقعوا في شباك عمرو بن العاص ومعاوية . ثم قال عليه السلام : « فأبيتم علي إباء المخالفين الجفاة والمنابذين « 2 » العصاة ، حتى إرتاب الناصح بنصحه ، وضن « 3 » الزند « 4 » بقدحه « 5 » » . لقد حذرتكم من أنّ رفع المصاحف على الحراب مكر وخديعة ، فقد بلغ القتال مرحلة
--> ( 1 ) « نخلت » من مادة « نخل » بمعنى تنقية الشئى ، واستعمال هذه المفردة في الخطبة تشير إلى الرأي الصائبالذي طرحه الإمام عليه السلام على أصحابه بشأن التحكيم . ( 2 ) « منابذين » من مادة « نبذ » بمعنى الابعاد ، وتستعمل هذه المفردة في نقض العهد ، وذلك لان ناقض العهد إنّما يطرح العهد بعيدا عنه . ( 3 ) « ضن » من مادة « ضنن » بمعنى البخل والامساك . ( 4 ) « زند » بمعنى الخشب الذي يشعلون به النار ( حيث كانوا يولدون النار سابقا بضرب خشبتين ببعضهما ، ثم اطلق على كل وسيلة لاشعال النار ومنه الزناد . ) . ( 5 ) « قدح » ومنه القداحة ما يخرج منه النار .