الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

199

نفحات الولاية

على كل حال فان مراد الإمام عليه السلام من هذه العبارة أنّه لا يكن أي بغض أوعداء لقريش ، أما بذور حسدهم للإمام عليه السلام فسببها وقوف الإمام عليه السلام بوجههم في ميادين صراع الحق ضد الباطل إبان إنبثاق الدعوة الإسلامية ، ولم يكن ذلك سوى امتثالا لأوامر الله . ثم قال عليه السلام : « وإني لصاحبهم بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم » فما زال السيف الذي جندلت به الابطال في بدر وأحد والأحزاب بيدي ، فالوا قع هذا تهديد صريح لمؤججي نار الجمل . وتساءل البعض أن مثل هذا الكلام يصدق على معاوية وعمرو بن العاص ومروان وأمثالهم الذين هبوا لقتال رسول الله صلى الله عليه وآله ، إلّاأنّه لا يصدق على طلحة والزبير ، فقد وقفا إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وآله في معاركه . وقد أجييب على هذا السؤال بأن الإمام عليه السلام لم يرد شخصاً معيناً ، إلّا أنّ الهدف بيان حقيقة أنّه كان يقاتل في سبيل الحق ضد الباطل على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وما زال بعد النبي صلى الله عليه وآله يقاتل في هذا السبيل ( ونعلم أن قريشاً كانت تقاتل آنذاك ضد المسلمين ) . أضف إلى ذلك صحيح أنّ طلحة والزبير كانا مع رسول الله صلى الله عليه وآله ، إلّاأنّ أغلب أصحابه الجمل ومنهم مروان كانوا من قريش . ثم أشار عليه السلام إلى أحد دوافع أصحاب الجمل فقال « والله ما تنقم منا قريش إلّاأنّ الله إختارنا عليهم ، فأدخلناهم في حيزنا » ثم وصفهم بأنّهم أصبحوا كما قال الشاعر « 1 » . أدمت لعمري شربك المحض « 2 » صَابحا * وأكلك بالزبد « 3 » المقشرة « 4 » البجرا « 5 » ونحن وهبناك العلاء ولم تكن عليا وحطنا حولك الجرد « 6 » والسمرا « 7 » نعم فهؤلاء يحسدوننا ويبغون علينا ، إلّاأنّ إرادة الله هي التي إختارتنا للنبوة والإمامة ،

--> ( 1 ) لم يرد في شروح نهج البلاغة شئ بشأن الأول هل يقابل الثاني ، أم أنّها إشارة إلى أحد الشعراء الأوائل ، أم المراد به اسم شاعر غير معروف . ويبدو الاحتمال الأول أنسب . ( 2 ) « المحض » بمعنى اللين الخالص بلا رغوة الذي لم يخالطه ماء ، ثم إطلق على كل شئ خال‌ص . ( 3 ) « زبد » من مادة « زبد » بمعنى استخراج شئ من آخر ، ومن هنا يطلق الزيد على ما يستخرج من الحليب . ( 4 ) « مقشرة » من مادة « قشر » وتطلق على التمرة بعد نزع نواتها . ( 5 ) « بجر » على وزن برج من مادة « بجر » بمعنى ظهور السرة ، كما وردت بمعنى التهم في الأكل ، ويطلق الأبجر على صاحب البطن والحريص . ( 6 ) « جرد » من مادة « جرد » بمعنى الخيول الصغيرة قليلة الشعر ( 7 ) « سمراء » من مادة « سمر » بمعنى السهرة والسامر تقال لمن يقضى الليل صاحيا لسهرة أو حراسة أو هدف آخر .