الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

175

نفحات الولاية

فالعبارة رغم قصرها فقد أشارت إلى أعمالهم الظاهرية إلى جانِب فسادهم الباطني وأهدافهم الرخيصة ، فهؤلاء الأفراد يستفرغون ما في وسعهم ليصبحوا على غرار فرعون أو قارون أو السامري . وما أولئك الذين أججوا نيران الجمل وصفين إلّامصاديق بارزة لذلك الصنف من الأفراد ، فالبفض اندفع من أجل المال وآخر من أجل المقام والمنصب والآخر من أجل الخلافة . ثم تطرق عليه السلام إلى نتيجة أعمال هؤلاء فقال « ولبئس المتجر أن ترى الدنيا لنفسك ثمنا ، وممالك عند اللَّه عوضا » ، ومن الطبيعي أنّ هذا الصنف من الناس الفاسد والشرير - الذي يخبط خبطا عشواء من أجل الظفر بالمال والمقام - لا يقيم لأحكام اللَّه وزنا ولا يصغي لصوت الضمير والوجدان ولا ينقاد لدليل العقل ، فقد باع هذا الخزين الثمين بذلك الثمن البخس ، باع الدين بالدنيا « أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ بِالهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ » « 1 » . بينما تظافرت الروايات التي تؤكد على قيمة الإنسان وأنّه لا ينبغي له بيع نفسه إلّابثمنها وثمتها الجنّة . كما صرحت الآية القرآنية بأن بيع النفس بغير الجنّة ورضى اللَّه لا يستبطن سوى الخسران المبين « وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤوفٌ بِالعِبادِ » « 2 » . فالآية تفيد أنّ بعض الناس ( كعلي عليه السلام الذي نام على فراش رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ليلة الهجرة ) يبيعون أنفسهم من أجل رضى اللَّه سبحانه . وقد ورد عن الإمام علي عليه السلام أنّه قال : « إنّه ليس لأنفسكم ثمن إلّاالجنّة فلا تبيعوها إلّابها » « 3 » . ثم تعرض عليه السلام للصنف الثالث الذي يتصف بالتزوير - وأوضح صفاته « ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة ، ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا » . فهدف هذا الصنف هو ذات الهدف الذي ينشده الصنف الثاني المذكور مع فارق بسيط هو أنّ أولئك يجنون حطام الدنيا من خلال المنطق الغاشم والظالم والجور ، بينما يعتمد هؤلاء على التزوير والخداع والغرور .

--> ( 1 ) سورة البقرة / 16 . ( 2 ) سورة البقرة / 207 . ( 3 ) نهج البلاغة ، الكلمات القصار 456 .