الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
158
نفحات الولاية
الجمل فحسب ، بل في صفين والنهروان ، وكان يسعى جاهدا لاطفاء نار الحرب . والخطبة التي نحن بصددها تعد أحد تلك الشواهد ، فقد بعث الإمام عليه السلام قبل نشوب القتال برسوله عبد الله بن عباس إلى الزبير بهذه الكلمات ، فأثرت عليه وانسحب من المعركة ، حتى أدركه ابن جرموز في صحراء البصرة فقتله . فقد خاطب الإمام عليه السلام ابن عباس قائلًا : « لاتلقين طلحة فإنك إن تلقه تجده كالثور عاقصاً « 1 » قرنه ، يركب الصعب ويقول : هو الذلول » . تشبيهه لطلحة بالثور الذي يعقص قرنه إما أن يكون أراد به طغيانه وسوء خلقه ، أو عدم سماعه للحق بفعل طاعته لهوى نفسه . فالواقع أنّ العبارة تفيد تحليله لنفسية طلحة ويأسه من تأثير الكلام فيه بشأن الكف عن القتال وإلّا فانسعاب من المعركة ، إلّاأنّه لم يقطع أمله من الزبير ( وقد دلت الحوادث اللاحقة أنّ الإمام عليه السلام كان محقا في أمله ) فأضاف عليه السلام قائلًا : « ولكن الق الزبير فانّه ألين عريكة » . « 2 » فالعبارة : « ألين عريكة » واستنادا إلى « عريكة » التي تعني الطبيعة ، تفيد تسليم الزبير للحق إذا سمعه ، ولا سيما إذا كان قد صدر من رسول الله صلى الله عليه وآله ، على العكس من طلحة الذي كان يتصف بالأنانية واللجاجة والطغوى وحبّ الجاه والمقام الذي أعمى بصره وبصيرته وأصم سمعه عن سماع الحق . ومن هنا ذكر المؤرخون أنّ الزبير أخذته رعدة شديدة حين دخل البصرة وعلم أنّ عمار في جيش الإمام عليه السلام حيث تذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وآله لعمار : « ويحك يا بن سمية تقتلك الفئة الباغية » . فخشى أن يقتل عمار في المعركة ، فيكون هو جزءاً من الفئة الباغية . على كل حال قال الإمام عليه السلام لابن عباس : « فقل له يقول لك ابن خالك : عرفتني بالحجاز وأنكرتني بالعراق ؟ فما عدا ممّا بدأ ؟ » .
--> ( 1 ) « عاقصا » من مادة « عقص » بمعنى التوى قرناه على أذنيه ( 2 ) « عريكة » من مادة « عرك » بمعنى الطبيعة ، ولين العريكة بمعنى السلس ، كما تأتى بمعنى إشتباك الشئ ومن هنا إطلقت المعركة على إشتباك الأفراد .