الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
101
نفحات الولاية
مسالحها » . ويبدو أنّ الأنبار كانت منطقة حدودية عراقية متاخمة للشام ، لأنّ مسالح جمع مسلحة تعني الحدود والثغور - وذلك لأنّ الأسلحة تجمع هناك لتستخدم في الدفاع عن الحدود - وقوله عليه السلام : « أزال خيلكم عن مسالحها » تفيد اجتياز العدود لهذه الحدود دون مقاومة وقد مرّ علينا شرح ذلك . ثم أشار الإمام عليه السلام إلى الجنايات التي ارتكبها الغامدي بحق أهل الأنبار من المسلمين والمجاهدين من أهل الكتاب الذين ينبغي الدفاع عنهم من قبل الدولة الإسلامية ، فقال عليه السلام : « ولقد بلغني أنّ الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة ، والأخرى المعاهدة فينتزع حجلها « 1 » وقلبها « 2 » وقلائدها « 3 » ورعثها « 4 » ما تمتنع منه إلّا بالاسترجاع والاسترحام » ، فالإمام عليه السلام أشار بوضوح إلى أنّ أحداً من المسلمين لم يهب للدفاع عن هذه النسوة المسلمات أو تلك المعاهدات . أمّا الاسترجاع فقد فسرّه بعض شرّاح نهج البلاغة بالبكاء المصحوب بالعويل في حين فسره البعض الآخر بكلمة « إنا للَّهوإنا إليه راجعون » التي تقال عادة عند النوائب والشدائد التي يتعرض لها الإنسان . ثم قال عليه السلام « ثَّم انصرفوا وافرين ما نال رجلًا منهم كلم ولا أريق لهم دم » آنذاك يخلص عليه السلام إلى هذه النتيجة « فلو أن أمراً مسلماً مات من بعد هذا أسفاً ما كان به ملوماً ، بل كان به عندي جديراً » فقد كشف الإمام عليه السلام عن عمق اللوعة التي كانت تعتلج في صدره مستغرباً ما حدث ، كيف يضعف المسلمون إلى هذه الدرجة ولا تهتز لهم قصبة تجاه هذه الحملات المروعة التي أهلكت الحرث والنسل وقد طالت الأموال والأنفس والأعراض ، وقد رجع المهاجمون غانمين سالمين دون أن يتكبدوا أية خسارة ! أجل لا يسع المسلم الغيور تحمل مثل هذه الحادثة المأساوية قط ، بل لو مات كمداً من جرائها لما كانت عليه من لائمة . والجدير بالذكر أنّ الإمام عليه السلام لم يفرق بين المرأة المسلمة والمعاهدة لما تعرضت له من انتهاك الحرمة والتطاول على حليها ووسائلها ، كما يكشف عن مدى ضرورة التزام الدولة الإسلامية بالدفاع عن حقوق الأقليات الدينية التي تعيش ضمن المجتمع الإسلامي ، مع ذلك فان غرض الإمام عليه السلام كان يكمن في تصوير عمق
--> ( 1 ) « حجل » على وزن فعل و « حجل » على وزن فَصل بمعنى الخلخال التي تزين به النساء العربيات أرجلهن . ( 2 ) « قلب » بضمتين جمع قلب بالضم فسكون بمعنى السوار المصمت وتعني في الأصل التغيير . ( 3 ) « قلائد » جمع « قلادة » على وزن إجارة ، تطلق على كل شيء يحيط بآخر . ( 4 ) « رعث » بضم الراء والعين جمع « رعث » على وزن رأس ما تعلقه المرأة من الزينة في أذنها .