الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

93

نفحات الولاية

سوق العالم العلوي للدوران حول الأرض ، وهو الفلك الذي يسمى أيضاً بفلك الأفلاك . أمّا الفرضية الأخرى فهي الفرضية التي تستمد قوتها من فرضية بطليموس بشأن العالم وتفسره على أساس العقول العشرة . وعلى ضوء هذه النظرية التي طرحها جمع من الفلاسفة اليونانيين فان اللَّه لم يخلق بادئ ذي بدء سوى شيء واحد هو العقل ( الملك أو الروح العظيمة والمجردة التي اصطلح عليها بالعقل ) . وقد خلق هذا العقل شيئين هما العقل الثاني والفلك التاسع ، ثم خلق العقل الثاني العقل الثالث والفلك الثامن ، وهكذا خلق عشرة عقول وتسعة أفلاك ، ثم قام العقل العاشر بخلق موجودات هذا العالم . والواقع ليس هنالك من دليل على هذه السلسلة من الفرضيات ، وهكذا هو الحال بالنسبة لفرضية بطليموس رغم ذلك فقد كانت هذه الفرضيات هي السائدة لقرون . أمّا القرآن والروايات الإسلامية فقد رفضت الفرضية الأولى - فرضية بطليموس - كما رفضت الفرضية الثانية - فرضية العقول العشرة - ؛ وذلك لأننا لم نر أثر لهما في الآيات والروايات المعروفة - ولا سيما في نهج البلاغة - ، وهذا بدوره يمثل أحد الأدلة والشواهد على استقلالية القرآن وعظمة الأخبار الإسلامية واستنادها إلى الوحي لا إلى الأفكار البشرية ، وإلّا لاصطبغت بصبغتها . « 1 » وقد رأينا الانسجام التام بين كلام أمير المؤمنين عليه السلام وسائر الروايات الإسلامية بشأن ظهور العالم . فالمحور الأصلي في الآيات القرآنية والروايات الإسلامية إنّما كان الحديث عن السماوات السبع لا الأفلاك التسع ولا العقول العشرة ، وسنتناول لاحقاً تفسير السماوات السبع . لكن من المؤسف أنّ قدماء شرّاح نهج البلاغة - ممن تأثروا بفرضية العقول العشرة ونظرية بطليموس بشأن ظهور العالم - قد سحبوا هذه الفرضيات على شرح نهج البلاغة

--> ( 1 ) لقد أشارت بعض الآيات القرآنية إلى حركة الأرض من قبيل الآية 88 من سورة النمل « وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب صنع اللَّه الذي اتقن كل شيء » والآية 25 من سورة المرسلات « ألم نجعل الأرض كفاتا » . ( وطبق بعض التفاسير فان الآية 40 من سورة يس « لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون » تدل على أنّ الشمس والقمر يسبحان في الفضاء العلوي . للوقوف أكثر على التفاصيل . انظر تفسير الأمثل .