الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
88
نفحات الولاية
تلقح سحاباً ولا شجراً . ثم وصفها عليه السلام بملازمتها للماء وعدم انفصالها عنه فقال : « وأدام مربّها « 1 » » خلافاً للرياح العادية التي تهب أحياناً وتسكن أحياناً أخرى ؛ ريح شديدة عاتية ( تختلف كلياً عن الرياح والعواصف الاعتيادية ) فقال عليه السلام : « وأعصف « 2 » مجريها » . وهى ريح تهب من مكان سحيق وليست على غرار الريح الاعتيادية التي تنطلق من أماكن قريبة ( وأبعد منشاها ) . ثم أشار في المرحلة الثانية إلى مهمّة هذه الرياح « فامرها بتصفيق « 3 » الماء الزخار ، وإثارة موج البحار » فقامت هذه الريح العاتية العظيمة بمخض الماء كقراب السقّاء « فمخضته « 4 » مخض السقاء » . « وعصفت به عصفها بالفضاء » ثم قال عليه السلام : « ترد أوله إلى آخره وساجيه « 5 » إلى مائره « 6 » » . وقال عليه السلام في المرحلة الثالثة بشأن تراكم المياه وارتفاعها « حتى عب عبا « 7 » » بمعنى ارتفع أعلاه « ورمى بالزبد ركامه « 8 » » . ثم قال عليه السلام في المرحلة الرابعة : « فرفعه في هواء منفتق وجو منفهق « 9 » » فخلق منها تبارك وتعالى السماوات السبع « فسوى منه سبع سماوات » حيث جعل الأقسام السفلى ، كالأمواج المكفوفة الممسوكة والطبقات العليا كالسقف المحفوظ « جعل
--> ( 1 ) « مرب » من مادة « ربّ » التي تعني في الأصل التربية ، وتطلق الرب على المربي والمالك والخالق ( وهو مصدر له معنى الفاعلية ) ويفيد معنى الاستمرار والملازمة إذا جاء من باب الأفعال ( إرباب ) لأنّ التربية متعذرة دون الاستمرار ) . وبناءً على هذا فانّ « مربّ » مصدر ميمي بمعنى الدوام والبقاء . ( 2 ) « أعصف » من مادة « عصف » على وزن عصر ، بمعنى السرعة والحركة والشدة كما ذكرنا . ( 3 ) « تصفيق » من مادة « صفق » على وزن سقف بمعنى تقليب الشيء بعضه على بعض بحيث يصاحبه الصوت ، ومن هنا اطلق التصفيق على ضرب الكفين - وهى هنا بمعنى تحريك المياه وتقليبها على بعضها ( لسان العرب ، مقاييس اللغة ، شرح محمد عبدة ) . ( 4 ) « مَخَضَ » من مادة « مخض » على وزن قرض بمعنى تحريك الموائع في ظروفها ، ولذلك يستعمل هذا التعبير أثناء تحريك اللبن في القربة لفصل الزبدة عنه . ( 5 ) « ساجي » من مادة « سجو » على وزن سهو بمعنى السكون والهدوء . ( 6 ) « مائر » من مادة « مور » على وزن فور بمعنى الحركة السريعة ، وتطلق هذه المفردة على الجادة أيضاً لأن الناس يتحركون عليها ذهاباً وإياباً . ( 7 ) « عباب » من مادة « عب » بمعنى شرب الماء سريعاً دون تريث ، ومن هنا اطلق العباب على الماء الكثير والمطر الغزير والسيل العظيم ، وهى هنا بمعنى تراكم المياه على بعضها . ( 8 ) « ركام » أشرنا إلى معناها سابقاً ( ما تراكم منه بعضه على بعض ) . ( 9 ) « منفهق » من مادة « فهق » على وزن فرق بمعنى المفتوح الواسع ، ولذلك يصطلح بالمنفهق على الجزء الواسع من الوادي والوعاء المملوء بالماء .