الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
71
نفحات الولاية
أفعاله سبحانه تستند إلى علمه المطلق بمصالح الأشياء ومفاسدها ومعرفته الكاملة بالنظام الأحسن للخلقة والقدرة التامة على جميع الأشياء ، وإرادته قاطعة تامة لا لبس فيها ولا ترديد ولا تأمل وتفكير في إفاضة الوجود على الموجودات ، وإرادته كانت وما زالت نافذة في الخلق . ثم أشار عليه السلام إلى كيفية خلق الموجودات والتدبير الإلهي في ظهور الأشياء طبقالخطط والبرامج المنظمة فقال عليه السلام : « أحال الأشياء لأوقاتها » أي أنّ اللَّه جعل لخلق كل موجود وقتاً معيناً ( وذلك لأنّ خلقه قائم على أساس التدريج والتخطيط الزماني بغية إيضاح عظمة تدبيره وقدرته الفريدة الفائقة ) . فلما فرغ من الإشارة إلى التصنيف الزماني لخلقه الموجودات ، تطرق عليه السلام إلى نظامها الخاص الداخلي والتركيبي فقال عليه السلام : « ولام « 1 » بين مختلفاتها » . وهذا من عجائب عالم الخلقة ، فقد ألف اللَّه سبحانه بين مختلف الموجودات لتبدو متسقة وكأنّها شيء واحد ، فقد لائم بين البارد والحار والظلمة والنور والموت والحياة والماء والنار . لقد خلق النار من الشجر الأخضر وخلق الإنسان والحيوان والنبات مركباً من مواد تامة الاختلاف ذات طبائع متنوعة . وأبعد من ذلك فقد أوجد رابطة عميقة محكمة بين الروح والجسم وهما ينتميان إلى عالمين مختلفين تماماً ؛ أحدهما مجرّد ونوراني وشفاف للغاية والآخر مادي وظلماني وخشن للغاية . ثم قال عليه السلام : « وغرز « 2 » غرائزها » . فقد أودعها اللَّه سبحانه طبائعها ثم جعل لكل موجود طبيعته والهمه غريزته . وهذا في الحقيقة من الحكمة الإلهية البالغة التي أودعت كل موجود صورته الطبيعية المنبعثة منه دون الحاجة إلى محرك خارجي ، ولولا الدوافع الذاتية لهذه الموجودات لانقطعت استمرارية
--> ( 1 ) « لام » و « لائم » من مادة « لأم » بمعنى الجمع والإصلاح وضم شيء إلى شيء آخر والملائمة بينهما ، ومن هنا اطلق على الدرع اسم « لأمة » على وزن « رحمة » لالتحام حلقاتها وتداخلها مع بعضها . ( 2 ) « غرّز » من مادة « غرز » على وزن « قرص » تعني في الأصل غرس الإبرة أو الجعل والادخال ، ثم أطلقت فيما بعد على الطبائع التي أودعت الإنسان أو سائر الكائنات الحية ، وكأنّ هذه الطبائع بمثابة البذور التي غرست في أرض الوجود الإنساني .